لم يعد السؤال: ماذا حدث؟
بل أصبح السؤال الأكثر إيلاماً : ماذا يحدث لنا؟
في السنوات الأخيرة، تتوالى أمام أعيننا مشاهد يصعب على القلب والعقل استيعابها: زوج يقتل زوجته، وأم تُقتل على يد ابنتها وأسرة تتحول من مساحة للأمان إلى ساحة للصراع وأب يتخلى عن مسؤولياته وأم تُرهقها الحياة وحدها وأبناء يكبرون في بيوت فقدت معنى الاحتواء.
ليست هذه الحوادث مجرد أخبار عابرة في صفحات الحوادث
إنها إشارات تستحق أن نتوقف عندها طويلاً ، فالقتل لا يبدأ دائماً بسكين كما أن انهيار الأسرة لا يبدأ يوم وقوع الطلاق.
أحياناً يبدأ الأمر بكلمة جارحة ثم بإهانة ثم بإهمال ثم بانطفاء المسؤولية حتى تصبح القسوة أمراً عادياً .
حين يصبح الإنسان أسير هواه
الرجل الذي يرى الزواج قيداً
لا عهداً والمرأة التي ترى الأسرة عبئاً لا ميثاقاً والشاب الذي يعتقد أن الحرية تعني إسقاط الحدود والفتاة التي تبحث عن قيمتها في عدد المشاهدات والإعجابات جميعهم ضحايا لفكرة واحدة خطيرة: أن الإنسان لا يدين إلا لرغبته.
ولا تعني الحرية أن يفعل الإنسان كل ما يستطيع فعله بل أن يمتلك القدرة على ضبط نفسه حين يستطيع الانفلات.
لقد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في كشف كثير من التحولات الاجتماعية.
في بعض محتوى «تيك توك» وغيره، نرى لغة مبتذلة واستعراضاً متعمداً وتجاوزاً لما اعتاد المجتمع أن يراه من حدود في الحديث والملبس والسلوك.
والمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها وإنما في الإنسان حين يستخدمها بلا وعي أو مسؤولية.
من الشاشة إلى الشارع
المشهد لا يتوقف عند مواقع التواصل.
في بعض الأماكن والمناسبات
ومن بينها ما يرتبط بالمصايف والفعاليات الترفيهية في الساحل الشمالي يثار جدل واسع حول أنماط من الملابس والسلوكيات التي يراها قطاع من المجتمع خروجاً عن قيمه المحافظة.
لكن القضية أعمق من قطعة ملابس أو فنان أو مكان بعينه.
القضية هي: هل أصبح الاستفزاز هدفاً ؟
وهل تحولت الجرأة من تعبير عن الذات إلى وسيلة للحصول على الانتباه؟
حين يصبح الجسد سلعة للمشاهدة والخصوصية مادة للنشر والكلمة البذيئة وسيلة للانتشار علينا أن نسأل أنفسنا: إلى أين نمضي؟
ولا ينبغي كذلك أن يتحول النقد الأخلاقي إلى محاكمة جماعية للناس أو إلى إذلال للنساء والفتيات والشباب.
فإصلاح المجتمع لا يكون بالتشهير وإنما بإعادة بناء المعايير التي تحفظ كرامة الإنسان.
الأسرة… الخسارة الأكبر
أخطر ما يحدث ربما لا يظهر في الشوارع ولا على الشاشات، وإنما خلف الأبواب المغلقة.
طلاق صامت ..
أسرة تتفكك.
طفل يعيش بين أبوين متخاصمين.
أب حاضر بجسده غائب بمسؤوليته.
أم تحمل وحدها أعباء بيت كامل.
زوجان يعيشان تحت سقف واحد لكن كل واحد منهما يعيش في عالم منفصل.
وحين يتخلى الرجل عن دوره ومسؤوليته أو تتخلى المرأة عن دورها ومسؤوليتها أو يتحول الزواج إلى معركة لإثبات من المنتصر فإن الخاسر الحقيقي ليس الزوج ولا الزوجة وإنما الأبناء.
الأطفال لا يحتاجون إلى بيوت فاخرة بقدر حاجتهم إلى بيت يشعرون فيه بالأمان.
حتى الطعام لم يسلم
وفي الجانب الآخر من المشهد يظهر نوع مختلف من الانهيار: الغش في الطعام واستغلال حاجة الناس والتلاعب بما يدخل أجسادهم.
تنتشر من وقت إلى آخر أخبار وادعاءات عن لحوم مجهولة المصدر و منتجات فاسدة
و إضافات غير مصرح بها في بعض الأغذية والمشروبات.
وهذه القضايا حين تثبتها الجهات المختصة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد مخالفة تجارية
إنها اعتداء على حق الإنسان في غذاء آمن.
فحين يغش التاجر في الطعام
فهو لا يسرق ماله فقط بل يعبث بصحته وثقته وأمان أسرته.
والرقابة هنا ليست ترفاً بل ضرورة.
ثم يأتي الأسوأ من الفساد وهي الشماتة
نصل إلى مشهد أكثر قسوة من كل ما سبق.
يموت “شاب” فيفرح آخرون.
يمرض شخص فيجد البعض طريقة للسخرية منه.
يُبتلى إنسان فتتحول مصيبته إلى مادة للتشفي.
متى أصبح وجع الآخرين تسلية؟
الاختلاف لا يلغي الإنسانية والخصومة لا تمنحنا الحق في التلذذ بموت إنسان أو مرضه أو مصيبته.
قد نختلف مع شخص في فكره أو موقفه أو سلوكه لكن الموت يظل موتاً والمرض يظل مرضاً والابتلاء يظل ابتلاءً.
والقلب الذي يفرح بعذاب الآخرين يحتاج إلى مراجعة نفسه قبل أن يراجع الآخرين.
ماذا يحدث في الأرض؟
ربما لا توجد إجابة واحدة.
هناك تغير اجتماعي سريع وضغوط اقتصادية وتراجع في بعض أشكال الرقابة الأسرية وتأثير هائل لمنصات التواصل واتساع الفجوة بين الأجيال وانتشار ثقافة الاستهلاك والاستعراض إلى جانب عوامل أخرى تختلف من مجتمع إلى آخر.
ومن أخطر مظاهر هذا التحول أيضاً ما نشهده من استهداف للعلماء والدعاة وأئمة المساجد وقرّاء القرآن وتحويل هفواتهم إن وجدت إلى مادة للسخرية والتشهير وكأن سقوط شخص واحد يبرر إسقاط كل قيمة يمثلها.
نحن لا نقول إن الشيخ أو الإمام أو قارئ القرآن فوق النقد ولا إن العمامة تمنح صاحبها عصمة من الخطأ، فالقدوة بشر يخطئون ويصيبون ومن ثبتت عليه مخالفة أو جريمة فيجب أن يخضع للمساءلة مثل غيره.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد والمحاسبة وبين التشويه والتشهير والتشفي والشماتة.
حين يصبح الطعن في الشيوخ مادة للترفيه والسخرية من الإمام أمراً عادياً والاستهزاء بقارئ القرآن وسيلة لجذب المشاهدات فإن الخطر لا يقع على الأشخاص وحدهم بل يمتد إلى صورة القدوة في وعي الجيل الجديد.
فالطفل الذي يرى كل صاحب رسالة دينية يُسخر منه، وكل واعظ يُتهم وكل إمام يُهان يكبر وهو لا يرى في أحدٍ أهلًا للثقة أو الاحترام.
والأخطر من ذلك أن بعض الناس
لا ينتظرون حقيقة ولا دليلاً
يكفي مقطع مبتور أو عنوان مثير
أو إشاعة متداولة حتى تبدأ محكمة إلكترونية لا قاضي فيها ولا تحقيق.
نحن بحاجة إلى أن نستعيد قيمة التحقق قبل الحكم والعدل قبل الغضب والأدب قبل الاختلاف.
فالقدوة ليست شخصاً معصوماً من الخطأ لكنها حاجة إنسانية واجتماعية.
وحين نهدم رموز القدوة ثم نتساءل لماذا فقد أبناؤنا البوصلة نكون قد تجاهلنا جزءاً من الإجابة.
ليس المطلوب أن نقدّس الأشخاص وإنما أن نحمي المعنى الذي يمثلونه: القرآن والعلم والأخلاق والمسجد والرحمة والصدق.
فإذا أخطأ حامل الرسالة حاسبناه بعدل وإذا أحسن حفظنا له قدره وفي الحالتين لا ينبغي أن تتحول أخطاؤه أو خلافاتنا معه إلى ذريعة لقتل معنى القدوة نفسه
لكن وسط كل ذلك، تظل هناك حقيقة بسيطة:
المجتمعات لا تنهار فجأة.
تبدأ الحكاية حين يصبح الكذب عادياً والخيانة مقبولة والعنف أسلوباً والعائلة عبئاً والوالدان مجرد ممولين والحياء تخلفاً والرحمة ضعفاً ووجع الآخرين مادة للسخرية.
ثم يأتي يوم نسأل فيه بدهشة:
كيف وصلنا إلى هنا؟
والحقيقة أننا لم نصل في يوم واحد.
وصلنا عبر آلاف التنازلات الصغيرة التي ظننا أنها لا تستحق التوقف عندها.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: من المذنب؟
بل:
ماذا نستطيع أن نُصلح قبل أن يصبح الإصلاح أصعب؟
نحتاج إلى أسرة تستعيد معناها وأب يعرف أن الأبوة مسؤولية لا مجرد إنفاق وأم تجد السند لا الاستنزاف وأبناء يتعلمون أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية وإعلام لا يجعل الابتذال طريقاً للشهرة ومنصات رقمية تُستخدم للمعرفة لا لتطبيع القسوة ورقابة تحمي غذاء الناس ومجتمع يعرف أن الاختلاف لا يقتل الرحمة.
فربما الأرض لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ ..
بل تحتاج إلى قلوب تستعيد إنسانيتها.






