إذا كان الأصل في الثروة أن تنمو بالتدرج، وأن يكون وراءها جهد ظاهر أو استثمار معلوم أو ميراث مشروع، فإن من غرائب هذا الزمان أن تستيقظ ذات صباح فتجد أشخاصًا كانوا بالأمس القريب يمارسون أعمالًا محدودة الدخل أو أنشطة متواضعة الحجم، ثم تراهم بين عشية وضحاها أصحاب إمبراطوريات تجارية مترامية الأطراف.
فهذا مصفف شعر ” حلاق رجالي ” لم يكن نشاطه يتجاوز تقديم خدمة شخصية بسيطة لا تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، فإذا به يمتلك سلسلة من الفروع الفاخرة في أرقى المناطق التجارية، تنتشر لافتاتها في المراكز الكبرى انتشار النار في الهشيم.
وذاك آخر بنى شهرته على تسويق منتجات غذائية عادية بأسماء غريبة ومثيرة للجدل، ثم لم تمض سنوات قليلة حتى تحولت منشآته إلى شبكات تجارية عملاقة تستحوذ على مواقع استراتيجية في الأسواق والمجمعات التجارية، وكأن الأموال تتدفق عليها من ينابيع لا تنضب.
وثالث يمارس تجارة السيارات والسلع الفارهة مرتفعة الثمن، فيعرض ما قيمته عشرات الملايين، ويتوسع بسرعة مذهلة، ويعقد الصفقات الضخمة بصورة تدعو إلى التساؤل المشروع عن حجم الملاءة المالية الحقيقية ومصدرها.
ناهيك عن ظاهرة ” النخنوخيزم “، والمتمثلة في قيام حفنة من البلطجية الكبار، ذوي السوابق والسجلات الحافلة بالمعلومات الجنائية، بتأسيس شركات كبرى للأمن والحراسة، كستار لمزاولة إجرامهم وترويعهم للآمنين.
والعجب العجاب في حصولهم على تراخيص لها، والأعجب اضطلاع تلك الشركات بتأمين فعاليات كبرى، ترعاها الدولة والكيانات التابعة لها !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
ومن ثم حين يتصدر المشهد أشخاص لم يعرف عنهم إنتاج أو ابتكار أو صناعة أو جهد استثنائي، ثم يتحولون فجأة إلى نماذج للنجاح والثروة، ويصبحون محل إعجاب وتقليد، فإن الرسالة التي تصل إلى الأجيال الجديدة تكون مدمرة، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل نجاح مشبوه، أو أن كل ثراء دليل على جريمة، فالأصل براءة الذمة، والنجاح حق مشروع لكل مجتهد، غير أن التساؤل يصبح واجبًا عندما تتجاوز مظاهر الثراء حدود المنطق الاقتصادي المعتاد، وعندما تتسع الفجوة بين النشاط الظاهر وحجم الثروة المتحققة، وعندما يصبح التوسع أسرع من أن تفسره قواعد الاستثمار المعروفة.
فالمجتمع الذي يتسامح مع الثروة الغامضة يفتح أبوابه لجرائم أخطر، وعندما يصبح السؤال: “كم يملك؟” أهم من السؤال: “من أين أتى بما يملك؟”، يكون المجتمع قد بدأ السير في طريق شديد الخطورة.
وغير خفي أن الأموال القذرة لا تكتفي بإفساد الاقتصاد، بل تمتد لتفسد الضمير العام، فهي تخلق نماذج زائفة للنجاح، وتمنح أصحابها نفوذاً اجتماعياً وإعلامياً لا يستحقونه، وتدفع الشباب إلى الاعتقاد بأن الثروة السريعة هي القاعدة لا الاستثناء، ولذلك التساهل مع مظاهر الثراء غير المبرر لا يقل خطورة عن الجريمة ذاتها.
ومن المؤكد أن الحاجة ملحة، إلى فهم الكيفية التي تتسلل بها هذه الأموال إلى الاقتصاد المشروع، فمن المؤشرات التي تستحق الدراسة والتمحيص ذلك الانتشار التجاري الخاطف الذي يتجاوز المنطق الاقتصادي المعروف.
فمن المعروف أن افتتاح فرع تجاري يحتاج إلى دراسة وتمويل وإدارة وعمالة وتسويق ورأس مال عامل، واسترداد التكلفة يحتاج في العادة إلى سنوات لا إلى شهور، وحين تتكاثر الفروع بصورة متسارعة ومريبة، وتنتشر في أرقى المواقع وأغلاها، دون أن يبدو أن النشاط الظاهر وحده قادر على تمويل هذا التوسع، فإن التساؤل يصبح حقاً للمجتمع وواجباً على الجهات الرقابية.
والكاتب لا يدين أحد، فالإدانة لا تكون إلا بحكم قضائي، لكن التغاضي عن المؤشرات الواضحة ليس حياداً، بل تقصير قد يدفع المجتمع ثمنه باهظاً.
فالمال غير المشروع بطبيعته يبحث عن واجهة. وقد تكون تلك الواجهة محلاً أو مطعماً أو معرضاً أو شركة أو نشاطاً يبدو عادياً للناس، بينما الغاية الحقيقية هي إضفاء المشروعية على أموال لا تستطيع الظهور بصورتها الأصلية.
فالأموال المغسولة لا تبحث دائماً عن الربح، بل تبحث عن الشرعية، ولهذا تستطيع أحياناً تحمل خسائر لا يتحملها المستثمر العادي، وتقديم أسعار لا يمكن منافستها، والتوسع بمعدلات لا تسمح بها الحسابات الاقتصادية الطبيعية.
وأمام هذه التداعيات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح التحرك السريع ضرورة لا تحتمل التأجيل، وتنبع أهمية أجهزة الرقابة المالية ووحدات مكافحة غسل الأموال والجهات الضريبية والرقابية، ليس للتضييق على الاستثمار الشريف، وإنما لحماية الاقتصاد الوطني من الأموال مجهولة المصدر، وصون مبدأ تكافؤ الفرص بين المستثمر النزيه ومن يحاول شراء النفوذ والمكانة بأموال غير مشروعة.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن مكافحة غسل الأموال ليست مسؤولية أجهزة الدولة وحدها، بل مسؤولية وطنية عامة، ومن هنا فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى:
تشديد الرقابة على مصادر التمويل الخاصة بالمشروعات التي تشهد توسعات استثنائية وغير مبررة اقتصادياً.
تعزيز التكامل بين الجهات الضريبية والمالية والرقابية لرصد أي فجوة غير منطقية بين حجم النشاط المعلن وحجم الثروة الفعلية.
مراجعة الأنشطة التي تشهد تدفقات نقدية ضخمة أو توسعات غير معتادة خلال فترات زمنية قصيرة.
نشر ثقافة المساءلة المجتمعية القائمة على احترام القانون ورفض الانبهار الأعمى بالثراء المفاجئ.
دعم أجهزة مكافحة غسل الأموال وتزويدها بأحدث وسائل التحليل المالي والتقني.
وفي ختام هذا الطرح، تبقى الحقيقة الأهم أن حماية الاقتصاد تبدأ بحماية منظومة القيم التي يقوم عليها، فالأمم لا تسقط فقط بالحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل قد تتآكل من الداخل عندما تفقد قدرتها على التمييز بين النجاح الحقيقي والثراء الغامض، وإذا كان المال عصب الاقتصاد، فإن نزاهة مصدره هي عصب الدولة نفسها.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،
لواء/ يحيى عبد الكريم








