قال اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية السابق، في مقالٍ له على موقع الاتجاه، إن تسريبات وثائق جيفري إبستين تكشف عن بنية نفوذ خفية تتجاوز الدولة القومية، تقوم على تداخل المال والاستخبارات والسياسة خارج أي رقابة شعبية. وأوضح أن إبستين لم يكن فاعلًا مستقلًا، بل واجهة تشغيلية ضمن شبكات ضغط وابتزاز ناعمة، استثمرت في العلاقات الشخصية لبناء نفوذ طويل الأمد على صُنّاع القرار، مشيرا إلى أن تحصين الدول من هذا النمط من الاختراق يبدأ بسدّ الثغرات البنيوية بين المال والسياسة، وتعزيز الشفافية والمأسسة، لا بملاحقة الواجهات بعد فوات الأوان.
وإلى نص المقال:
تكشف تسريبات وثائق جيفري إبستين عن وجهٍ معتم من النظام الدولي المعاصر، حيث لم تعد الدولة القومية هي الفاعل الأوحد في صناعة القرار، بل باتت محاطة بشبكات نفوذ غير رسمية تُعرف في الأدبيات السياسية بمفهوم ومصطلح الدولة العميقة.
وهي تُعرَّف بكونها، تلاقي مصالح بين نخب مالية، وأمنية، وإعلامية، وأكاديمية، تعمل بشكل متوازٍ مع الدولة الرسمية وأحيانًا فوقها، وتؤثر في خياراتها الاستراتيجية دون تفويض شعبي أو مساءلة مؤسسية.
من هو جيفري إبستين؟ هو ممول أمريكي استطاع، رغم غموض مصادر ثروته، أن يخترق الدوائر العليا للسلطة منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولم يكن نفوذه نابعًا من منصب رسمي، بل من قدرته على بناء علاقات شخصية مع رؤساء دول سابقين، وأمراء، ومديري بنوك كبرى، وأكاديميين بارزين.
هذا الموقع الوسيط بين المال والسياسة جعله، وفق ما تشير إليه الوثائق المسرّبة، جزءًا من منظومة ضغط غير مباشرة تؤثر في توجهات القرار، عبر العلاقات الشخصية والتمويل والتأثير المعنوي.
من وراء جيفري إبستين؟ وفق المعطيات المتاحة، هو واجهة تشغيلية داخل شبكة نفوذ أوسع، غموض مصادر ثروته، وتسارُع صعوده الاجتماعي، واتساع دائرة علاقاته بما يفوق منطق المال وحده، كلها مؤشرات على أنه كان يؤدي دور الوسيط، لا صانع السياسات.
تظهر الوقائع أن الدائرة الأولى خلف إبستين كانت دائرة مالية غير تقليدية، تضم من يعملون خارج الأطر الشفافة، هذا المال لم يستهدف أرباح اقتصادية مباشرة، إنما بناء نفوذ طويل الأمد عبر الاستثمار في البشر، سواء كانوا سياسيين صاعدين، أكاديميين مؤثرين، أم خبراء أمن وسياسة، قد يتحولون لاحقًا إلى صناع قرار.
أما الدائرة الأخطر، فهي الدائرة الاستخباراتية غير الرسمية، حيث تتقاطع السياسة بالأمن وبالابتزاز الناعم، فالنمط المتكرر للعلاقات، وطبيعة اللقاءات المغلقة، وآليات التوثيق التي كُشف عنها لاحقًا، تتطابق مع ما يُعرف في أدبيات الاستخبارات بمصائد النفوذ.
الهدف هنا ليس الفضيحة العلنية، بل بناء ملفات ضغط صامتة تُستخدم عند الحاجة لضمان الولاء أو توجيه السلوك السياسي، من هذا المنظور، يُطرح السؤال حول أي شبكة مصالح استخباراتية/سياسية كان يخدمها؟
في قلب هذه الشبكة برزت غيلين ماكسويل بوصفها حلقة الوصل التنظيمية، فدورها تجاوز الشراكة الشخصية إلى إدارة البنية الاجتماعية للشبكة، من حيث اختيار الأشخاص، هندسة العلاقات، وضبط التوازن بين الإغراء والتهديد.
خلفيتها العائلية، بوصفها ابنة روبرت ماكسويل المرتبط تاريخيًا بتقاطعات الإعلام والاستخبارات، والمغدور في يخته، جعلتها نموذجًا لما يمكن تسميته بالوسيط العميق، الذي لا يظهر في الواجهة، لكنه يتحكم في مسارات النفوذ.
وتتجلى خلف هذه الدوائر جميعًا لوبيات عابرة للدول، خاصة تلك المرتبطة بالأمن القومي، والصناعات العسكرية ومراكز التفكير الاستراتيجي، وهي تمارس السلطة عبر تحديد أولويات التهديد، وتضييق هامش البدائل السياسية.
من هنا، يصبح تأثيرها واضحًا في قضايا كبرى مثل التصعيد العسكري والحروب، حيث تُهيّأ البيئة الذهنية والسياسية التي تجعل قرار الحرب يبدو حتميًا أو عقلانيًا.
وفي حالة إيران، لعبت هذه اللوبيات دورًا مركزيًا في ترسيخ خطاب الخطر الوجودي، وهو خطاب تَبنّته لاحقًا مؤسسات رسمية دون مساءلة جذرية لمصادره.
من هذا المنظور، يتضح أن قرار الحرب، هو غالبًا النتيجة النهائية لمسار طويل من التهيئة الذهنية والسياسية، تشارك فيه الدولة العميقة واللوبيات بفعالية تفوق أحيانًا دور البرلمانات أو الرأي العام.
وهنا نطرح سؤالًا سياسيًا خطيرًا لا يمكن تجاهله، هل كانت شبكة إبستين أداة ضمن منظومة ابتزاز استخباراتي، تهدف إلى إخضاع كبار الساسة وأصحاب النفوذ؟
لا توجد أدلة قاطعة تُثبت أن جهازًا بعينه، كالموساد مثلًا، كان يدير إبستين بشكل مباشر، لكن المؤكد أن ما كُشف عنه يعكس نموذجًا استخباراتيًا معروفًا، يقوم على جمع المعلومات الحساسة، لاستخدامها كقوة ضغط صامتة في لحظة القرار.
فطبيعة العلاقات، وانتقائية الشخصيات، وآليات التوثيق، والدور التنظيمي الذي لعبته غيلين ماكسويل، كلها مؤشرات على أن ما جرى لم يكن انحرافًا أخلاقيًا فرديًا، بل ممارسة نفوذ ممنهجة، وتلك الآليات من أخص أساليب عمل الموساد.
وبالطبع، لم تكن شبكات النفوذ مثل شبكة إبستين قادرة على التأثير في جميع الدول بنفس القوة، لأن نجاحها يعتمد على انفتاح النظم السياسية وتعدد مراكز القرار، ووجود هوامش للحركة الشخصية للنخبة، وانفصال الحياة الخاصة عن الرقابة المؤسسية والاجتماعية.
وهل من سبيل لتجنب السقوط في خيوط شبكات مثل شبكة إبستين.
نعم، هناك مجموعة مبادئ مترابطة، من شأنها تحصين الأنظمة وصناع القرار، ومنها:
أولًا، تقليص المساحات الرمادية بين المال والسياسة، من خلال شفافية صارمة في تمويل الحملات السياسية، ومراكز الأبحاث، والجامعات، ومنع التمويل غير المباشر أو المشروط الذي يصنع ولاءات صامتة، فشبكات النفوذ لا تزدهر إلا حين يصبح المال قناة غير مرئية للتأثير في القرار العام.
ثانيًا، الضبط المؤسسي لسلوك النخب، فحين تخضع العلاقات الخارجية، والسفر، والاتصال برجال الأعمال الأجانب، لقواعد إفصاح ومساءلة واضحة، تقل فرص بناء ملفات ابتزاز شخصية، فقد نجح إبستين، لأنه تحرك في فضاء اجتماعي بلا رقابة حقيقية، لا لأنه كان عبقريًا.
ثالثًا، الفصل الصارم بين الدولة والعلاقات الشخصية للنخبة، كلما تحولت القرارات إلى نتاج مؤسسات لا أفراد، تراجعت قيمة الابتزاز، شبكات مثل إبستين لا تؤثر في الأنظمة بقدر ما تؤثر في الأشخاص حين يصبح الشخص هو الدولة.
رابعًا، تعظيم دور الأجهزة الأمنية المهنية التي تراقب أنماط الاختراق الناعم لا بوصفها فضائح أخلاقية، بل تهديدات للأمن القومي، فالابتزاز الجنسي أو المالي ليس مسألة أخلاق خاصة، بل أداة استراتيجية إذا تُركت دون معالجة.
الأنظمة لا تُخترق بسبب أشخاص مثل إبستين، بل بسبب ثغرات بنيوية تسمح بظهورهم. سدّ هذه الثغرات هو ما يصنع الحصانة، لا ملاحقة الواجهات بعد فوات الأوان.
بقي الإشارة إلى أن جيفري إبستين، توفي في زنزانته في أغسطس 2019، رسميًا بانتحار، لكن ظروف موته مثيرة للجدل، وموته أنهى التحقيقات القضائية ضده، مما أغلق الطريق أمام كشف كامل لشبكة علاقاته، أما عن غيلين ماكسويل، فقد أُدينت بتهم الاتجار الجنسي والمشاركة في شبكة إبستين، وحُكم عليها بالسجن 20 عامًا، لكنها لم تكشف عن جميع أسماء الشخصيات الكبيرة المرتبطة بالشبكة.
الخلاصة، أن إبستين لقي مصير العملاء المنتهية أدوارهم، فقد مات قبل أن يُفضح النظام وراءه، وماكسويل في السجن، لا تستطيع البوح فيما بجعبتها من أسرار، وإلا لحقت بوالدها وشريكها، بينما المنظومة الأكبر التي سمحت بوجودهما لم تُمسّ حتى اليوم.









