قال اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية السابق، في مقالٍ له على موقع «الاتجاه»، إن التعديل الوزاري يجب ألا يقتصر على تغيير الوجوه، بل يتطلب مراجعة جذرية للسياسات وآليات الإدارة وربط المسؤولية بالمحاسبة لاستعادة ثقة المواطنين.
وأكد أن استمرار بعض أنماط الإدارة المغلقة والتنصل من المسؤولية عمّق فجوة الثقة وأضعف الأداء، مشيرًا إلى أن بعض الوزارات، وعلى رأسها الشباب والرياضة، تحتاج إلى تصحيح مسار شامل في المنهج لا في الأشخاص فقط.
وشدد على أن المرحلة الراهنة تفرض مواءمة الأداء الحكومي مع وتيرة الإنجاز التي تقودها القيادة السياسية، حتى تتحول الإرادة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية…
وإلى نص المقال:
يأتي الحديث عن التعديل الوزاري في مصر محمّلًا بآمال مشروعة لدى المواطنين، لا تبحث عن تغيير الوجوه بقدر ما تنتظر تغييرًا حقيقيًا في السياسات العامة وآليات العمل والتنفيذ.
فالتجربة المصرية، كما تجارب عديدة سابقة، أكدت أن استبدال أسماء بأخرى مع بقاء المنهج ذاته لا يفضي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها، وربما بصورة أكثر تعقيدًا، ما لم يصاحب ذلك مراجعة جذرية للأولويات وأدوات الإدارة.
إن جوهر أي تعديل وزاري ناجح لا يُقاس بعدد الحقائب التي طالها التغيير، بل بمدى الجرأة على كسر أنماط الأداء التقليدية، ووضع برامج واضحة بجداول زمنية محددة، ومعايير قياس دقيقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة بعيدًا عن المجاملة أو اعتبارات البقاء.
فغياب هذه العناصر يعني عمليًا أن النتائج ستظل على حالها، أو تتجه نحو مزيد من التدهور، مهما تعددت التصريحات أو تبدلت الوجوه.
وفي هذا السياق، فإن استمرار بعض الوزراء في حقائبهم، رغم ما شهدته المرحلة الماضية من تعثرات وإخفاقات ملموسة، لم يحظَ برضا الشارع المصري، الذي كان يتطلع إلى رسائل حاسمة تعكس إدراكًا حقيقيًا لحجم السخط الشعبي.
فبقاء أسماء ارتبطت بملفات خدمية واقتصادية لم تشهد تحسنًا يُذكر، يضعف الأثر النفسي والمعنوي لأي تعديل يُراد له أن يمثل بداية جديدة لا امتدادًا لواقع لم يلبِّ أبسط طموحات المواطنين.
ولا يمكن القفز فوق حقيقة أن الوزارة السابقة، في بعض من مهامها، لم تنجح في تحقيق الحد الأدنى من آمال المواطنين في ملفات تمس حياتهم اليومية بصورة مباشرة، سواء تعلق الأمر بجودة الخدمات، أو السيطرة على الأسعار، أو تحسين مستوى الأداء الحكومي.
وهو ما أسفر عن فجوة ثقة متنامية بين المواطن والجهاز التنفيذي، فجوة لا يمكن ردمها بخطاب إعلامي أو وعود مؤجلة، بل بإجراءات حاسمة يشعر المواطن بآثارها سريعًا.
ومن هذا المنطلق، كان من الضروري أن يمتد التغيير ليشمل نمط الإدارة ذاته، لا أن يقتصر على الوجوه، فبعض الوزراء أداروا مؤسساتهم بعقلية دكتاتورية مغلقة، قائمة على إقصاء كل ذي رأي مستقل، وتهميش الكفاءات القادرة على النقد والتصويب، مقابل الإحاطة بدوائر ضيقة من المصفقين.
كما برز نموذج آخر لا يقل خطورة، يتمثل في مسؤولين يتوارون خلف مرؤوسيهم عند بروز أزمات تتجاوز صلاحياتهم، ويتنصلون من المسؤولية السياسية والإدارية، في سلوك يكرّس الارتباك ويعمّق الفشل.
وفي الحالتين، كانت النتيجة واحدة، مؤسسات خاوية من المبادرة، خائفة من القرار، وغير قادرة على مواكبة تحديات المرحلة.
إن أي إصلاح جاد يفترض بالضرورة إقصاء هذا النمط من الإدارة، واستبداله بثقافة مؤسسية تؤمن بالشراكة، وتحترم الكفاءة، وتحتمل الرأي القوي، لا أن ترتاب منه أو تخشاه.
وبالطبع، تتجه الأنظار إلى وزارة الشباب والرياضة بوصفها واحدة من أكثر الوزارات حاجةً إلى مراجعة شاملة، ليس على مستوى الأشخاص فحسب، بل على مستوى منهج العمل ذاته. فقد أظهرت السنوات الماضية فشلاً ذريعاً في إدارة معظم الملفات الحيوية المرتبطة بالشباب، من سياسات التمكين والتشغيل، إلى دعم المبادرات، مروراً بتطوير البنية الرياضية والعدالة في توزيع الموارد.
ويعود جانب كبير من هذا الإخفاق إلى الانشغال بالانحياز إلى اتجاه واحد، سُخرت له الجهود وطاقات وكوادر الوزارة، على حساب الدور الوطني الجامع الذي يُفترض أن تضطلع به الوزارة.
اليوم، الآمال معقودة على أن يكون التعديل الوزاري بوابة لتصحيح المسار، لكن في الوقت ذاته فإن الخطوات مرصودة، والأداء تحت المتابعة الدقيقة.
فهذه لحظة اختبار حقيقي، إما أن نشهد تحولًا فعليًا في الفكر الإداري وآليات التنفيذ، يعيد الثقة ويضخ دماء جديدة قادرة على الفعل، أو يظل التعديل مجرد تغيير شكلي، يضاف إلى سجل طويل من التعديلات التي لم تمس جوهر الأزمة، فالشارع المصري، بما راكمه من وعي وتجربة، بات قادرًا على التمييز بين الإصلاح الحقيقي وتبديل اللافتات.
لقد آن الأوان لأن تواكب الوزارات المختلفة، الخطوات الوثّابة التي يقودها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في إنجاز المهام ورفع جودة الأداء.
فبينما ينحت الرئيس في الصخر لبناء دولة حديثة قادرة على الصمود والمنافسة، لا يجوز أن تظل بعض الأجهزة التنفيذية تدور في حلقات مفرغة أو تكتفي بإدارة الوقت بدل إدارة الملفات.
إن الفجوة بين الإرادة السياسية الواضحة في أعلى هرم الدولة، وبين الأداء البيروقراطي المتباطئ في بعض الوزارات، باتت عبئًا حقيقيًا على مسار الإصلاح.
وعلى الوزراء والأجهزة المعاونة أن يدركوا أن المرحلة لا تحتمل حرثًا في البحر، ولا سياسات شكلية، بل عملاً جادًا، وقرارات محسوبة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا، حتى تتحول الرؤية إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
والله من وراء القصد،،،
تحيا مصر، شعبًا وقيادة،،،









