قال اللواء يحيى عبد الكريم مساعد وزير الداخلية السابق، في مقال له على موقع «الاتجاه» إن الحياد في المناصب العامة أساس لتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين دون أي تمييز أو انحياز، مستشهدًا بتعاليم الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق العدل على الجميع دون استثناء.
وأكد أن استغلال السلطة لتحقيق مصالح فئوية يُعد خيانة للأمانة ويؤدي إلى إضعاف الدولة وزيادة الفساد، مما يستدعي الرقابة والمحاسبة. كما دعا إلى نشر ثقافة العدل والشفافية في المجتمع باعتبارها ركيزة لاستقرار الوطن وتماسكه.
وإلى نص المقال:
يُعد الالتزام بالحياد في تولّي المناصب العامة والعمل في خدمة المجتمع من أهم المبادئ التي تضمن تحقيق العدالة والاستقرار في أي دولة، فالمسؤول لا يمثل نفسه أو فئة بعينها، بل يحمل أمانة خدمة جميع أفراد الشعب على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية والفكرية وحتى الرياضية، ومن هنا تأتي خطورة التمييز والانحياز، بآثارها السلبية على وحدة المجتمع وثقة الناس بمؤسسات الدولة.
لقد وضع الإسلام أسسًا واضحة للعدل والمساواة، ونهى عن الظلم بكافة أشكاله. يقول الله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ” (المائدة: 8)، وهي دعوة صريحة إلى عدم التأثر بالمشاعر أو الأهواء عند الحكم بين الناس، حتى لو كان هناك خلاف أو كراهية.
وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم أسمى معاني العدل والحياد في تعامله مع الناس، فعندما جاءت امرأة من بني مخزوم سرقت، أراد بعض الصحابة الشفاعة لها نظرًا لمكانتها، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال:
” وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ” (متفق عليه)، وهذا الحديث يوضح بجلاء أن تطبيق العدالة لا يعرف محاباة أو استثناء، حتى لأقرب الناس.
والحياد في العمل العام لا يعني الجمود أو تجاهل الفروق الفردية، بل يعني التعامل مع الجميع وفق معايير موحدة قائمة على الحق والقانون، ما يتطلب من المسؤول أن يبتعد عن التعصب والانحياز، وأن يجعل مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر، كما يتطلب وجود رقابة ومحاسبة لضمان عدم استغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية.
وصارت الدول تقاس بمدى التزامها بمبادئ العدالة والمساواة بين مواطنيها، فالمؤسسات التي تحترم الحياد وتكافؤ الفرص تكسب ثقة الناس، مما يعزز من استقرارها وتقدمها، بينما انتشار المحسوبية والتمييز يؤدي إلى ضعف المؤسسات وانتشار الفساد.
ومن ثم، مهم جدًا نشر ثقافة الحياد والعدل في المجتمع، بدءًا من الأسرة والمدرسة، وصولًا إلى وسائل الإعلام، حتى ينشأ جيل يؤمن بقيمة المساواة ويحترم حقوق الآخرين، كما يجب تدريب الموظفين في القطاع العام على أخلاقيات العمل، وترسيخ مبدأ أن الوظيفة العامة هي خدمة وليست امتيازًا.
وفيما يتعلق بمن يسخّر منصبه العام لخدمة من ينتمون إلى فئته أو جماعته، أو حتى لناديه الذي يتعصب له على حساب بقية أفراد المجتمع، فإن الواجب تجاهه لا يقتصر على الرفض الأخلاقي فحسب، بل يمتد إلى المساءلة القانونية والمحاسبة العادلة.
فاستغلال السلطة لتحقيق مصالح فئوية يُعد خيانة للأمانة التي حمّله الله إياها، وإضرارًا مباشرًا بمبدأ تكافؤ الفرص، يقول الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ” (الأنفال: 58)، كما قال سبحانه: “وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا” (النساء: 105)، مما يدل على خطورة الانحياز المبني على المصالح الضيقة.
ومن هنا، ينبغي تفعيل آليات الرقابة والشفافية، وفتح باب الشكاوى والتظلمات لكل من يتعرض للتمييز، مع ضمان حماية المبلّغين عن الفساد، كما يجب على المجتمع أن يرفض هذه الممارسات وألا يتهاون معها، لأن السكوت عنها يُعد مشاركة ضمنية في الظلم.
وقد ابتلينا عبر مراحل عديدة، بمسئولين وما هم بمسئولين، خانوا الأمانة التي أقسموا اليمين على رعايتها والعمل على إرسائها، حتى أن نفرًا منه يسخر كل أدواته لاضطهاد والعمل على تقزيم كل منافس، لما، فهذا وزير يجند كل طاقات وزارته لتجديد عقد لاعب أجنبي، وتمرير بل وشرعنة مخالفات الجسيمة، وذاك رئيس بنك وطني، يخون الأمانة ويضحى بأموال المودعين، لشراء أرض غير مقننة من أحد الأندية، ما يستوجب مساءلته قانونًا، وهذا وذاك وأولئك ……………….. ارتكبوا من المخالفات والانحيازات في أماكنهم، ما يستدعي المساءلة.
إنهم يشقون الصفوف، ويبذرون ويرعون بذور الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، ويكرسون لانقسام، فشلت القوى الاستعمارية، والمعادين لمصرنا الحبيبة، في ترسيخه بالنسيج الواحد.
وفي الختام، فإن الالتزام بالحياد في المناصب العامة ليس مجرد واجب قانوني، بل هو مسؤولية أخلاقية ودينية عظيمة. وهو أساس تحقيق العدل الذي أمر الله به، وركيزة بناء مجتمع متماسك يسوده السلام والاحترام المتبادل.
ومن يتخلى عن هذا المبدأ، فإنه لا يظلم الأفراد فحسب، بل يهدد استقرار الأمة بأكملها، ونقول لهم إن لم تستقيموا فاستقيلوا، ونسأل الله أن يوفق الجميع للعدل والإنصاف، وأن يجعلنا من الذين يقيمون الحق ولا يخشون في الله لومة لائم.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،







