اختصّ اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية السابق، موقع “الاتجاه” بمقال تحليلي عميق تناول فيه أزمة الإعلام في العالم العربي، وما آلت إليه بعض المنصات من تزييفٍ للوعي وتخديرٍ للعقول، بدلًا من أداء دورها الحقيقي في التنوير والبناء.
وفي مقاله، استعرض اللواء يحيى محطات تاريخية وإعلامية جسّدت كيف يمكن للإعلام، إذا فقد ضميره، أن يتحول إلى أداة خطيرة بيد الأنظمة أو الأهواء، تقود الشعوب إلى التيه والخذلان، مشيرًا إلى نماذج بارزة من التاريخ الحديث، تبدأ من جوبلز وتنتهي إلى الصحاف، مرورًا بتجارب محلية وعربية عايشها الجمهور..
وإلى نص المقال
تُنسب تلك المقولة، المتصدرة عنوان المقال، إلى د. جوزيف جوبلز- وزير الدعاية النازية في عهد أدولف هتلر، وكان المسؤول عن تشكيل الرأي العام الألماني، وتوجيهه عبر الإعلام والتعليم والثقافة، ويُعتبر أحد أهم منظري الحرب النفسية، والدعاية السياسية في التاريخ الحديث، وآمن بأن الإعلام يمكن أن يُشكّل وعي الجماهير، ويوجههم كيفما شاء النظام، وهو ما يظهر في المقولة المذكورة.
وفي ظل عالم تزداد فيه سطوة الإعلام يومًا بعد يوم، يلح السؤال الأخلاقي عن دور الإعلام في تشكيل وعي الشعوب، فحين يفقد الإعلام ضميره، يُفرَّغ من قيمته الحقيقية، ويتحول من وسيلة تثقيف وتنوير، إلى أداة تضليل وتجهيل، ويكون الثمن الباهظ هو وعي الأمة بأكملها.
في تاريخ الإعلام الموجَّه، يبرز جوزيف جوبلز، رمزًا للخطاب المسموم، حيث كان يردد أن “اكذب حتى يصدقك الناس”، فحوّل الأكاذيب إلى عقيدة، وساهم في دفع شعب بأكمله نحو الهاوية، وعلى خطاه، سار أحمد سعيد، بصوته الجهوري عبر إذاعة “صوت العرب”، يبث شعارات النصر بينما كانت الجيوش تنهار، فزرع وهماً قوميًا لم تصمد أمامه الحقيقة.
ثم جاء محمد سعيد الصحّاف، ببدلته العسكرية، ينكر سقوط بغداد بينما كانت الدبابات الأمريكية خلفه، فصار مثالاً للسخرية العالمية. هؤلاء جميعًا لم يكونوا مجرد مذيعين أو وزراء، بل أدوات لتخدير الوعي، وصناعة واقع زائف، قاد شعوبهم إلى الخديعة والخذلان.
والمشكلة لا تكمن فقط في الإعلاميين أو المؤسسات، بل في المتلقي نفسه، الذي يتخلى عن مسؤوليته في التحقق، ويقبل كل ما يُقدَّم له دون سؤال أو نقد، وتكرار التعرض لمحتوى هابط أو مضلل، دون وعي أو مناعة فكرية، يجعل الناس أسرى لتلك الرسائل، فيفقدون القدرة على التمييز بين الحق والباطل.
هكذا، تتكوّن الحلقة المفرغة: إعلام بلا ضمير يصنع شعبًا بلا وعي، وشعب بلا وعي يمنح هذا الإعلام شرعية الاستمرار، ولا يمكن كسر هذه الحلقة إلا بوجود وعي جماهيري، قادر على فرز الغث من السمين، وإعلام يحمل أمانة الكلمة، ويؤمن أن وظيفته التنوير والتغيير.
فحين يصبح الإعلام وسيلة لتزييف الوعي بدلًا من بنائه، تترتب على ذلك نتائج كارثية، تتعدى حدود المعلومات المغلوطة، لتطال نسيج المجتمع بأكمله، فالإعلام بلا ضمير لا يقتل الحقيقة فحسب، بل يصنع وعيًا زائفًا مشوه.
لطالما وُصف الإعلام بالسلطة الرابعة، لما له من تأثير موازٍ، وأحيانًا يفوق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهذه السلطة لا تُمارس عبر أوامر أو قوانين، بل عبر تشكيل القيم، ومن ثم الإعلام فاقد للضمير، يحول القيم إلى سلعة، فيصبح “الترند” هو البوصلة، والانتشار هو المعيار.
وغير خفي أن الشباب أكثر الفئات تأثًرا، لأنهم الأسرع تفاعلًا مع المحتوى، والأقل مناعة فكرية، وعندما يُقدَّم لهم النموذج الفارغ، والمظهر السطحي باعتباره رمزًا للنجاح، تُحبط عزائمهم، ويتشوه إدراكهم لطبيعة الحياة والنجاح الحقيقي.
فهل من سبيل إلى إصلاح وتقويم؟، نعم لان إصلاح الإعلام ليس خيارًا، بل ضرورة حتمية إذا أردنا بناء مجتمع واعٍ، متماسك، ومعتزّ بوطنه، فالإعلام إما أن يكون رافعة للتقدم والوعي، أو أداة لتفتيت الهوية ونشر التشويش.
ومن أبرز آليات الإصلاح والتصويب، الخطوات التالية:
ترسيخ المصداقية والمهنية، من خلال التزام المصداقية والموضوعية، فالمعلومة المغلوطة أو المتحيزة، تُربك وعي المتلقي وتضعف ثقته في مؤسسات الدولة.
تعزيز الهوية الوطنية، عبر إبراز مكوّنات الهوية الوطنية، من تاريخ وثقافة ولغة، وتسليط الضوء على الرموز الوطنية، وأبطال الوطن، وقصص النجاح التي تفتخر بها البلاد.
إشراك المواطن في النقاش الوطني، وإفساح المجال للرأي والرأي الآخر، في مناخ من الاحترام والتعددية.
توجيه الإعلام نحو التنمية والتوعية، بالإسهام في نشر الوعي بالقضايا التنموية، والاجتماعية، كالتعليم، والصحة، والبيئة، والتضامن المجتمعي. فكلما ارتقى الوعي الجمعي، ازدادت فاعلية المواطن، واشتدت أواصر الانتماء للوطن.
تضمين مناهج الجامعات والمدارس، برامج للتربية الإعلامية، للتنشئة والغرس المفاهيمي، القادر على التمييز بين الحقائق والأباطيل، وآليات فاعلة للقدرة على التمييز.
استخدام الإعلام الرقمي بذكاء، يُمثّل الإعلام الرقمي فرصة عظيمة، إذا ما استُخدم بشكل مدروس، لينقل الرسائل الوطنية بطريقة حديثة وجذابة، خاصة للشباب، وأن يواجه المحتوى المسيء أو المضلّل، بحجج قوية وصياغة مقنعة.
وجود رقابة مهنية مستقلة، من أهم ركائز الإصلاح وجود هيئات مستقلة فاعلة، تراقب أداء وسائل الإعلام، تقيّمه وتُحاسب عند الخطأ، أو الانحراف عن المعايير المهنية والوطنية.
إعلام بلا ضمير هو جريمة فكرية، وشعب بلا وعي هو ضحية سهلة، في عصر تدفق المعلومات، لم تعد المشكلة في الوصول إلى الحقيقة، بل في الرغبة في البحث عنها، ولن يرتقي مجتمع ما دام إعلامه يخدره بدل أن يوقظه، ويضلله بدل أن ينيره، فلتكن معركة الوعي هي معركتنا الكبرى، ولنجعل من الإعلام مرآة للحق، لا أداة لطمسه.
ولم تكن الشريعة الإسلامية الغراء، بمنأى عن تلك المعضلة، حيث أشارت في غير موضع، إلى أن من يضلل الناس عمدًا، أو يروج الباطل طمعًا أو خوفًا، فقد خالف أوامر الله ورسوله، أما المتلقي، فمسؤوليته لا تقل، إذ سيُسأل عن كل ما صدّق وشارك، وهل سعى للحق، أم كان عبدًا للترند!
واشتمل القرآن الكريم على آية تؤسس لأحد أعظم المبادئ الإعلامية، التحقق من الخبر قبل نشره أو تصديقه، وهي صرخة قرآنية ضد التسرع والتلقف، غير الواعي للمعلومة، وذلك في قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) صدق الله العظيم
بقيت كلمة، أوجهها للمضللين، من المنتمين للإعلام: أيها الإعلامي المأجور، يا من بعت ضميرك بثمنٍ بخس، لا أنت ناقلُ حقيقة، ولا أنت صاحبُ رسالة، أنت بوق مأجور، تلوّث الكلمة وتخون الوعي، تلمّع الزيف وتطمس الألم، تُسكّر العقول وتزرع الوهم، وتغرس في صدور الناس خناجر الخداع، فلا نامت أعين الجبناء.
تحيا مصر .. شعبًا وقيادة،،
والله من وراء القصد،،








