تحدث اللواء يحيى عبد الكريم في مقاله هذا الأسبوع، عن مفهوم الفكر المختلط، الذي يتجلى في المراوحة في تطبيق القانون؛ إذ تُمارَس سلطة القانون بصرامة على فئات معينة، بينما يُغضّ الطرف أو يُبرَّر التجاوز لصالح فئات أخرى، غالبًا بحكم النفوذ أو المصالح، معتبرا أن هذا التناقض لا يُضعف ثقة الناس في المؤسسات فحسب، بل يفتح الباب أمام ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب.. وإلى نص المقال:
يتجلى مفهوم الفكر المختلط، في السياق القانوني والاجتماعي حينما يُلاحظ نوع من المراوحة في تطبيق القانون؛ إذ تُمارَس سلطة القانون بصرامة على فئات معينة، بينما يُغضّ الطرف أو يُبرَّر التجاوز لصالح فئات أخرى، غالبًا بحكم النفوذ أو المصالح.
ويعكس هذا التناقض ازدواجية في المعايير، ويُمثّل نمطًا من التفكير المختلط الذي لا يلتزم بمبادئ العدالة أو المساواة، بل يدمج بين الشعارات القانونية، والممارسات الانتقائية، وبدلًا من أن يكون القانون أداة لتحقيق النظام والإنصاف، يصبح أداة تتشكل حسب موقع الفرد، أو الفئة داخل البنية الاجتماعية أو السياسية.
ترعرعنا في ثقافتنا المصرية على مثل شعبي، يقول: “حبيبك يبلع لك الزلط، وعدوك يتمنى لك الغلط”، وهذا المثل الشعبي يُعبّر ببساطة عن ازدواجية نظرة الناس إلى أفعالك بحسب مشاعرهم تجاهك، وهو يُبرز كيف أن العاطفة، أو الانتماء يلعبان دورًا كبيرًا في تقييم التصرفات، واتخاذ القرارات، وتوجيه دفة الأمور، أو محاولة توجيه الرأي العام، بل والتحريض والبلبلة وإثارة الرأي العام.
وفي مقالنا هذا، أتعرض لثلاث نماذج، تجسد بوضوح تلك المفاهيم، أو بالأحرى الآفات التي تضرب بقوة في مصداقية أجهزة الدولة والسلطات التنفيذية.
وأول تلك النماذج، قصة أرض نادي الزمالك بمنطقة أكتوبر، ففي سابقة جديدة تعكس ملامح الانحياز المؤسساتي وازدواجية المعايير في التعامل مع الأندية الرياضية، عاد ملف تلك الأرض، ليفتح أبوابًا من الجدل والتساؤلات، بعدما ظهرت مؤشرات واضحة على تغاضٍ رسمي عن مخالفات قانونية ارتكبها النادي الأبيض في الملف ذاته، وسط صمت مريب من الجهات المعنية، وتجاهل شبه تام لقواعد العدالة والمساواة.
ما يحدث في ملف الزمالك لا يمكن عزله عن السياق العام للدولة، التي تسعى لترسيخ مبدأ سيادة القانون ومكافحة الفساد الإداري، إلا أن ما جرى — ويجري — في هذا الملف يضرب هذه المبادئ في مقتل، ففي الوقت الذي يُنتظر فيه من الأندية الكبرى أن تكون نموذجًا لاحترام القانون والالتزام بالإجراءات، نجد أن النادي حظي بمعاملة خاصة، أشبه بحصانة غير رسمية، تجعل من تطبيق القوانين أمرًا انتقائيًا لا يشمل الجميع.
تشير الوثائق والتقارير المتداولة إلى وجود تجاوزات تتعلق بآليات تخصيص الأرض، وعدم الالتزام بالشروط البنائية، إلى جانب التأخر في التنفيذ، وهو ما كان يستوجب اتخاذ إجراءات قانونية صارمة، لكن ما يحدث عكس ذلك تمامًا، فيتم تسوية الوضع بصورة استثنائية، الأمر الذي يثير الشكوك حول وجود تدخلات وضغوطات غير معلنة، أو حتى معلنة تجلت في صورة للوزيرين المعنيين، يلعبان الطاولة في مدينة العلمين، والتي أعقبها إعلان وجود انفراجة في الأمر.
المفارقة الكبرى تظهر حين نقارن هذا الملف بملفات مشابهة لأندية أو كيانات أخرى، حيث تم تطبيق القانون عليها بحذافيره، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى سحب الأراضي وتجميد الأنشطة لمجرد تأخر بسيط أو مخالفة شكلية، هذا التناقض في المعاملة يضع علامة استفهام كبرى حول مصداقية الجهات المختصة، ويكشف عن عقلية التمييز المبني على الانتماءات والتعصب، التي ما زالت تتحكم في قرارات مصيرية تمس المصلحة العامة.
لا يخفى على أحد أن مثل هذه الوقائع، تبعث برسالة واضحة، مفادها أن البعض فوق القانون، إنها رسالة خطيرة، تُكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، والتمترس خلف درع وسيف المنتمين والمتعصبين.
ونموذجنا الثاني، يتجلى في خروج بعض الإعلاميين مؤخرًا، ومنهم الإعلامي/ أحمد شوبير، بدعوات علنية للعفو عن عناصر من ألتراس أهلاوي محبوسين على ذمة قضايا جنائية، بدعوى الرحمة بأهاليهم، وإعادة دمجهم في المجتمع، متجاهلين بشكل فاضح الأحكام القضائية النهائية التي أدانتهم في وقائع خطيرة، تمس أمن المجتمع وسلامته.
هذه الأصوات التي تصدح من خلف الشاشات ليست إلا صورة مكررة من محاولات الالتفاف على العدالة، تحت لافتات زائفة من التعاطف والإنسانية، في وقت لا مكان فيه إلا لسيادة القانون.
المثير للقلق أن تلك الدعوات الإعلامية لا تأتي بدافع قانوني أو حتى وفق آلية دستورية منضبطة (كالعفو الرئاسي المشروط مثلاً)، وإنما كنوع من المزايدات العاطفية التي تحاول تجميل الجرائم، وإضفاء طابع إنساني على وقائع إدانة واضحة، شملت أعمال عنف، تحريض، تخريب منشآت عامة، بل وأحيانًا تهديد مباشر لحياة المواطنين.
ازدواجية المعايير: إن كانت الجريمة “حمراء”، فالعقوبة بيضاء؟
أما النموذج الثالث، فهو عن الإرهابي المدان المدعو/ علاء عبد الفتاح، بينما تخوض الدولة معركة مفتوحة لحماية الأمن القومي والتماسك المجتمعي، لا يزال البعض يصرّ على تكرار نغمة مملة ومكشوفة “الحرية لعلاء عبد الفتاح” وأمثاله ممن تورطوا في قضايا تهدد كيان الدولة ذاته، رافعين شعارات مطاطية عن حرية التعبير، وحقوق الإنسان، وكأن ارتكاب جرائم ضد الوطن أصبح وجهة نظر قابلة للتفاوض.
إن المطالبة بالإفراج عن شخصيات أدانها القضاء بتهم تتعلق بالتحريض ضد الدولة، وبث الفوضى، والتواصل مع جهات خارجية معادية، ليس فقط استهانة بالقانون، بل هو تواطؤ صريح مع مشروع هدم الدولة من الداخل.
من النشطاء إلى الرموز المزيفة
المدعو/ علاء عبد الفتاح، الذي يروّج له البعض على أنه ناشط سياسي ومعتقل رأي، هو في الحقيقة متهم في قضايا جنائية موثقة، حُكم عليه بعد محاكمات عادلة، توافرت فيها كل الضمانات القانونية والدستورية، بل إن بعضها جرى وسط تغطية إعلامية محلية ودولية.
واللافت أن بعض الأصوات، سواء من الداخل أو عبر منابر خارجية منحازة، تواصل تجميل صورته، متجاهلة تاريخًا حافلًا بالدعوات الصريحة لهدم مؤسسات الدولة، والتحريض على العنف ورفض الشرعية الدستورية، وكأن المطلوب هو أن تتحول مصر إلى ساحة فوضى مفتوحة تحت عنوان “حرية التعبير”.
أكثر ما يكشف زيف تلك الحملات، هو الازدواجية الصارخة في تعاملها مع ملف الحريات، فهم لا يتحدثون عن شباب آخرين في السجون لأسباب اجتماعية أو جنائية، بل يركزون فقط على من يملكون تاريخًا في استهداف الدولة والنظام العام، وكأن الحرية أصبحت حكرًا على من يهاجم النظام ويتطاول على المؤسسات.
لقد آن الأوان لوضع حدٍّ لهذا الابتزاز العاطفي والسياسي باسم الحريات، فالدولة التي لا تحمي مؤسساتها، وتتهاون مع من يتطاول على أمنها القومي، لا تستحق البقاء، والمجتمع الذي يُسمح فيه بتحويل المجرم إلى رمز، والخائن إلى ناشط، والمخالفون إلى جُدُر محصنة، لن يعرف الاستقرار أبدًا، ويقوض أركان وجوده، ارضاءً لهوس المتعصبين وذوي النفوذ.
ما أسلفناه من نماذج وأمثلة لا يمثل مجرد اختلالات فردية، بل هو مؤشر مقلق على تغلغل الفكر المختلط في بنية الخطاب العام وسلوك المؤسسات، فحين تُمارس السلطة التنفيذية انتقائية في تطبيق القانون، ويُشارك الإعلام في تجميل الصورة، ويصمت أدعياء حقوق الإنسان عند اللزوم، تتحول العدالة إلى أداة توظيف لا إلى مبدأ مُلزم.
تحيا مصر .. شعبًا وقيادة،،
والله من وراء القصد،،







