قال اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية السابق، في مقاله بموقع الاتجاه، إن ظاهرة الكلاب الضالة في مصر لم تعد قضية خدمية عابرة، بل تحولت إلى ملف مركب يمس الأمن القومي والصحة العامة والاستقرار المجتمعي، مؤكدا على أن استمرار التعامل معها بمنطق الحلول المؤقتة يعكس خللًا إداريًا وتراخيًا مؤسسيًا يستوجب وقفة جادة ورؤية وطنية شاملة. وأوضح أن المواجهة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بخطورة الظاهرة بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمن المواطن وسلامة المجتمع.
وإلى نص المقال:
لم تعد ظاهرة الكلاب الضالة في مصر مسألة بيئية أو خدمية هامشية يمكن التعامل معها بمنطق المسكنات أو ردود الأفعال المؤقتة، بل تحولت إلى ملف مركب تتقاطع فيه أبعاد الأمن القومي، والصحة العامة، والإدارة المحلية، والمسؤولية المجتمعية.
فانتشار هذه الظاهرة على نطاق واسع في المدن والقرى يعكس خللًا إداريًا وتراخيًا في منظومة الحوكمة المحلية، ويكشف عن فجوة واضحة بين التخطيط المركزي والتنفيذ الميداني، بما يفرض ضرورة إعادة تصنيفها كأحد التحديات التي تمس أمن المواطن اليومي واستقرار المجتمع.
وتكمن خطورة الظاهرة في أسبابها العميقة التي تتجاوز فكرة التكاثر الطبيعي للحيوانات، لتصل إلى ضعف التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية، وغياب استراتيجية وطنية موحدة لإدارة ملف الحيوانات الضالة.
فالمحليات تُركت لسنوات طويلة دون صلاحيات حقيقية أو موارد كافية، ما أدى إلى غياب الرقابة والمتابعة، وفتح المجال أمام تفاقم الأزمة.
كما أسهمت العشوائية العمرانية، وتراكم المخلفات، وضعف إنفاذ القوانين الرادعة ضد التخلي عن الحيوانات، في توفير بيئة خصبة لنمو هذه الظاهرة، بما يشير إلى قصور إداري لا يقل خطورة عن القصور الأمني.
ومن منظور الأمن القومي، فإن الأضرار الناجمة عن انتشار الكلاب الضالة لا تقتصر على حوادث فردية، بل تمتد إلى تهديد منظومة السلامة المجتمعية برمتها.
فالهجمات المتكررة على المواطنين، وخاصة الأطفال وكبار السن، تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإنساني، وتُحدث حالة من الخوف العام تقوّض الشعور بالأمان في الشارع المصري.
كما أن انتشار الأمراض المشتركة، وعلى رأسها داء الكلب، يُشكل خطرًا صحيًا استراتيجيًا، يستنزف موارد الدولة العلاجية، ويضع ضغطًا إضافيًا على المنظومة الصحية، وهو ما لا يتسق مع مفاهيم الأمن الصحي كأحد ركائز الأمن القومي الشامل.
ولا يمكن إغفال البُعد الأمني غير المباشر، حيث تتحول بعض المناطق التي تنتشر فيها الكلاب الضالة إلى مساحات طاردة للسكان ومناطق منخفضة السيطرة، وهو ما قد تستغله عناصر إجرامية أو سلوكيات خارجة عن القانون في ظل ضعف التواجد المجتمعي، الأمر الذي يفرض عبئًا إضافيًا على الأجهزة الأمنية، كان يمكن تجنبه بإدارة رشيدة واستباقية للملف.
أما على المستوى الإداري، فإن استمرار الظاهرة يعكس غياب المساءلة وتداخل الاختصاصات بين الجهات التنفيذية، ما بين المحليات، والهيئة العامة للخدمات البيطرية، ووزارات البيئة والتنمية المحلية، دون وجود جهة قيادية واضحة تتحمل مسؤولية التخطيط والتنفيذ والتقييم.
هذا الفراغ الإداري يُنتج حلولًا متضاربة، ويُبقي الأزمة في دائرة الدوران دون حسم، بما يُعد إهدارًا للموارد وتفريطًا في حق المواطن في بيئة آمنة.
وانطلاقًا من خطورة الظاهرة بوصفها تهديدًا مباشرًا للأمن المجتمعي والصحة العامة، على الحكومة ضرورة إعلان هذا الملف كأحد ملفات الأمن المجتمعي ذات الأولوية، مع تكليف جهة مركزية محددة بالقيادة والتنسيق بين الوزارات والهيئات المعنية، بما يضع حدًا لتداخل الاختصاصات وتشتت المسؤوليات، كما يجب إدراج مؤشرات أداء واضحة لقياس معدلات السيطرة والانحسار، وربطها بتقييم القيادات المحلية والتنفيذية.
كما يتحتم التوسع الفوري والمنهجي في برامج التحصين والتعقيم على مستوى الجمهورية، باعتبارها الأداة الأكثر فاعلية واستدامة، مع توفير التمويل اللازم للوحدات البيطرية، وإنشاء فرق تدخل ميداني مدربة تعمل وفق خرائط انتشار دقيقة وقواعد بيانات محدثة.
وفي الوقت ذاته، ينبغي إنشاء مراكز إيواء إقليمية مؤمنة ومجهزة طبيًا للتعامل مع الحالات الخطرة أو المصابة، بما يحقق السيطرة دون الإضرار بالصورة الإنسانية للدولة.
ولا يقل أهمية عن ذلك إدماج ملف إدارة المخلفات ضمن استراتيجية المواجهة، من خلال تحسين منظومة جمع القمامة، وتوفير حاويات آمنة، باعتبارها أحد المصادر الرئيسية لتغذية وانتشار الكلاب الضالة.
ومن الأهمية بمكان، ضرورة مراجعة الإطار التشريعي المنظم لحيازة الحيوانات، وتجريم التخلي عنها بشكل صريح، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، مع تفعيل دور الضبط الإداري للمحليات في هذا الشأن.
ولا بد من أن يتزامن مع كل ذلك، إطلاق حملة توعوية وطنية مستدامة، تشارك فيها المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية، لترسيخ ثقافة المسؤولية المجتمعية، وشرح الأبعاد الأمنية والصحية للظاهرة، بما يضمن شراكة حقيقية بين الدولة والمواطن، ويحول المواجهة من عبء أمني إلى مسؤولية وطنية مشتركة.
ويطرح بعض المختصين بُعدًا دينيًا في مناقشة أزمة الكلاب الضالة، مستندين إلى ما تؤكد عليه التعاليم الإسلامية من الرفق بالحيوان ورفض إيذائه دون مبرر، كما ورد في عدد من الأحاديث النبوية.
ويرى هؤلاء أن تبني سياسات تعتمد على التعقيم والتطعيم وتنظيم أعداد الكلاب، بدلًا من الأساليب العنيفة، قد يسهم في تحقيق التوازن بين متطلبات السلامة العامة والاعتبارات الأخلاقية والدينية السائدة في المجتمع.
ويثير طرح تصدير الكلاب الضالة إلى دول تُستخدم فيها كغذاء جدلًا دينيًا وأخلاقيًا، إذ يشير مختصون إلى أن التعاليم الإسلامية تؤكد الرفق بالحيوان وتحظر الإيذاء أو القتل دون مبرر، معتبرين أن تسليم الحيوان لجهات يُرجّح أن تسيء معاملته قد يندرج ضمن الإعانة على الضرر.
وفي المقابل، يرى خبراء سياسات عامة أن هذا الخيار لا يمثل حلًا مستدامًا، كونه ينقل الأزمة خارج الحدود دون معالجة أسبابها الأساسية، مقارنة بالحلول العلمية مثل التعقيم والتطعيم وتنظيم الأعداد.
وبحسب تقديرات رسمية، تُقدَّر أعداد الكلاب الضالة في مصر بعشرات الملايين، حوالي 30 مليون خلال عام 2025، في ظل عدم وجود حصر قومي دقيق.
وتشير بيانات وزارة الصحة إلى تسجيل أكثر من مليون حالة عقر خلال العام نفسه، يُعزى معظمها إلى الكلاب الضالة، ما يمثل ضغطًا متزايدًا على منظومة الصحة العامة.
كما تتحمل الدولة سنويًا تكاليف مرتفعة لتوفير الأمصال وعلاج المصابين، تُقدَّر بمليارات الجنيهات، وهو ما يعكس البعد الاقتصادي للأزمة إلى جانب آثارها الصحية والاجتماعية.
وفي الختام، فإن التعامل مع الظاهرة باعتبارها ملفًا ثانويًا يُعد خطأً استراتيجيًا، بينما إدارتها برؤية أمن قومي وإداري متكاملة ينعكس إيجابًا على استقرار المجتمع، وحماية المواطن، وتعزيز صورة الدولة القادرة على فرض النظام وحسن إدارة مواردها.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،






