تحدث اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية السابق، في مقاله، هذا الأسبوع، للاتجاه، عن افتتاح المتحف المصري الكبير بوصفه حدثًا عالميًا يجسد عظمة مصر القديمة وقوة حاضرها، مؤكدًا أن المتحف يمثل صرحًا حضاريًا وأمنيًا واقتصاديًا يعكس استقرار الدولة وقدرتها على الجمع بين الأصالة والحداثة، وأن مصر من خلال هذا الافتتاح تستعيد ريادتها الحضارية وتُعلن ميلاد مرحلة جديدة من قوتها الناعمة.
وإلى نص المقال:
من قلب الجيزة، وعلى مشارف الأهرامات الخالدة، ينهض المتحف المصري الكبير كأيقونة من نور وشموخ، وكصرح يروي للعالم قصة وطن صاغ التاريخ، وها هو اليوم يصوغ المستقبل، ليس مجرد مبنى للآثار، بل هو بيان حضاري شامل يحمل رسائل الأمن والتنمية، ورسائل العزة والانتماء، ويعلن أن مصر التي أبهرت الدنيا قديمًا، قادرة اليوم على أن تُبهرها من جديد.
لم يكن حفل افتتاح المتحف المصري الكبير مجرد مناسبة رسمية أو احتفال تقليدي، بل كان عرضًا عالميًا مهيبًا جمع بين الأصالة المصرية والإبهار العصري في لوحةٍ واحدة من النور والموسيقى والإبداع، لقد أبهرت مصر العالم بسخاء الإنتاج ودقة التنظيم، حيث تحوّلت لحظات الافتتاح إلى مشهد فني عالمي يليق بعظمة المكان وسمعة التاريخ.
تناغم الضوء مع الحجر، والموسيقى مع الحضارة، لتصنع مصر عرضًا فريدًا من نوعه، شارك في إخراجه فرق فنية عالمية من اليابان وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب الفرقة المصرية، في تنسيقٍ بديعٍ جمع الشرق والغرب تحت مظلة الفن المصري الخالص.
ذلك الحفل لم يكن مجرد افتتاح لمتحف، بل كان افتتاحًا لحقبةٍ جديدة من القوة الناعمة المصرية، تؤكد أن الفن جزء من الأمن، وأن الجمال امتداد للقوة، وأن مصر التي علمت العالم فنون العمارة والنحت والموسيقى قبل آلاف السنين، لا تزال قادرة على أن تدهش البشرية بذات الروح، ولكن بأدوات العصر وإبداع الحاضر.
ولم يكن حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة قرينته في افتتاح المتحف مجرد شكل رسمي، بل كان تجسيدًا حيًا للحنان الوطني والفرح العميق، كما لو كان والد العروس في ليلة عرسها.
لقد بدا فرحهما الظاهر واضحًا في كل لحظة، من استقبال الضيوف ورعايتهم، إلى مشاركتهم الدهشة والإعجاب بكل تفاصيل الحدث، كأنهما يحتفلان بروح الوطن وإنجازاته كما يحتفل الأب بعزوة أبنائه وبنجاحهم.
هذا المشهد أعطى الاحتفال دفء إنسانيًا خاصًا، وعمّق رسالة مصر للعالم بأنها وطن تستقبل الضيوف بأمان وفرح وكرم، وتحتفل بتاريخها كما تحتفل بأجيالها.
ومن الضروري الإشارة إلى أن حفل افتتاح المتحف المصري الكبير في كل تفاصيله، أنتج دلالات راسخة وحمل رسائل بليغة إلى كل العالم، نبرز من الدلالات وفق رؤيتنا ما يلي:-
أولًا: دلالات الموقع والعمارة — لقاء الماضي بالحاضر
لم يكن اختيار موقع المتحف على مقربة من أهرامات الجيزة محض مصادفة، بل كان تجسيدًا حيًّا لفلسفة التواصل بين الماضي والحاضر، فحيث شُيّدت أعظم معجزات التاريخ، يطل المتحف الجديد ليكمل المسيرة، ويعيد تعريف علاقة المصري بتاريخ بلاده وهويته.
أما تصميمه المعماري البديع، الذي ينساب فيه الضوء على الحجارة كأنه يوقظ ذاكرة الزمان، فيجسد عبقرية المهندس المصري وقدرته على ترجمة الروح الفرعونية بلغة العصر، بشكل يربط مجد الأجداد بإنجازات الأبناء، ويقول للعالم إن مصر تعرف طريقها بين الأصالة والحداثة.
ثانيًا: الدلالات الأمنية — استقرار يبني ويصون
إن افتتاح المتحف المصري الكبير هو رسالة أمن واستقرار للعالم أجمع، فما كان لهذا الحدث أن يخرج إلى النور بهذه الروعة والدقة إلا في ظل أمن شامل واستقرار راسخ ترعاه الدولة المصرية بكل مؤسساتها، لقد برهنت مصر على قدرتها الفائقة في تأمين زعماء العالم وممثليهم، وضمان سلامتهم في الإقامة والتنقلات ومكان الاحتفال، بكل يسر وانضباط واحتراف.
إنه مشهد يُترجم قوة الدولة وهيبتها، ويُبرز أن الأمن في مصر ليس شعارًا، بل واقع يُعاش، وأن الاستقرار هو القاعدة التي تُبنى عليها كل تنمية وكل إنجاز، هكذا تؤكد مصر أن أمنها هو أمن للحضارة، وأن استقرارها هو الضمان لاستمرار نورها الذي أضاء الدنيا منذ فجر التاريخ.
أما عن الرسائل المرسلة، فهي عديدة ومتنوعة، نرى أهمها متمثلًا فيما يلي:
أولًا: الرسائل الاقتصادية والاستثمارية
المتحف المصري الكبير ليس فقط إنجازًا ثقافيًا، بل مشروع اقتصادي واستثماري عملاق يجسد فكر الدولة الحديثة التي توظّف التاريخ لصناعة المستقبل، لقد استثمرت مصر مليارات الجنيهات لتؤكد أن الثقافة يمكن أن تكون رافدًا من روافد الاقتصاد الوطني.
فالمتحف، بما يحيط به من فنادق ومراكز خدمات وأسواق عالمية، سيكون مركزًا اقتصاديًا وسياحيًا ضخمًا ينعش سوق العمل ويخلق فرصًا جديدة للشباب، ويوجّه رسالة قوية للمستثمرين بأن مصر أرض الفرص الآمنة، حيث يجتمع الأمن بالعائد، والتاريخ بالاقتصاد، والحلم بالإنجاز.
ثانيًا: الرسائل السياحية
يشكل المتحف المصري الكبير قلب السياحة الثقافية في العالم، ومحورًا لإعادة رسم خريطة السياحة في المنطقة،
فهو يضم أكثر من مئة ألف قطعة أثرية نادرة، بينها المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، تُعرض لأول مرة بأساليب تكنولوجية حديثة تمنح الزائر تجربةً فريدةً تجمع بين المعرفة والمتعة.
هكذا تقول مصر للعالم إنها لا تعرض التاريخ فحسب، بل تقدمه بروحٍ معاصرة، وإنها تملك المقومات السياحية والثقافية التي تؤهلها لتكون عاصمة التراث الإنساني بلا منازع.
ثالثًا: الرسائل الحضارية والإنسانية
يحمل المتحف رسالة أسمى من الآثار والجدران، هي رسالة سلام وتواصل إنساني، ففي كل قطعةٍ معروضةٍ داخله نبضة من قلب مصر القديم، الذي علّم البشرية أول حروفها وأول قيمها.
من هنا، يصبح المتحف المصري الكبير منبرًا للحوار بين الحضارات، ورسالة تقول إن مصر كانت وستظل قلب الإنسانية النابض بالحكمة والإبداع والتسامح.
إن مصر لم تفتتح متحفًا فحسب، إنما فتحت صفحة جديدة في كتاب الحضارة الإنسانية، كتبتها بأيدي المصريين، وزينتها بعظمة التاريخ وإرادة الحاضر، فمن جوار الأهرامات الخالدة، أعلنت مصر للعالم أجمع استعادتها لدورها الرائد.
هذا المتحف ليس فقط صرحًا للآثار، بل هو رمزٌ لميلاد مصر الجديدة؛ مصر التي لا تعرف التراجع، ولا تهاب التحدي، مصر التي تُقدّر تاريخها لتصنع مستقبلها، فلتشهد الدنيا أن مصر الحضارة لا تغيب، ومصر الأمن لا تنكسر، ومصر الإرادة لا تتراجع.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،






