تحدث اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية الأسبق، في مقاله لـ”الاتجاه” عن واقعة الاعتداء على مُسنّ السويس، معتبرًا إياها جرس إنذار لاحتقانٍ اجتماعيٍّ متصاعد. وأكد أن الحادثة تكشف توتّراتٍ كامنة قد تتفاقم مع تطبيق قانون الإيجار الجديد، الذي يهدد آلاف الأسر بفقدان مساكنها. ورأى أن الصفعة لم تكن على وجه رجلٍ واحد، بل على وجه الضمير الجمعي، داعيًا إلى تحصين المجتمع بالرحمة قبل القانون.. وإلى نص المقال:
صفعةٌ واحدة في السويس كانت كفيلة بإيقاظ ضمير وطنٍ بأكمله، مشهد الاعتداء على مسنٍّ ضعيف لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل جرس إنذارٍ لاحتقانٍ اجتماعيٍّ متصاعد، ونذير لصراعاتٍ تُطلّ برأسها مع اقتراب تطبيق قانون الإيجار الجديد الذي يهدد آلاف الأسر المصرية بفقدان مأواها وجدران أمانها.
لم تكن واقعة التعدي على رجلٍ مسنّ في محافظة السويس حادثًا فرديًا أو مشهدًا عابرًا يُطوى في زحمة الأخبار اليومية، بل نذير خطرٍ واضحٍ لما يعتمل في عمق المجتمع المصري من احتقانٍ مكتومٍ وصراعاتٍ قادمة.
صفعةٌ واحدة على وجه شيخٍ مريض تحوّلت إلى صفعةٍ على وجه الضمير الجمعي، وكشفت عن توتّراتٍ اجتماعيةٍ تنذر بانفجارٍ صامت، خصوصًا مع تصاعد الجدل حول قانون الإيجار الجديد، وما يحمله من تهديدٍ لاستقرار آلاف الأسر التي تخشى أن تفقد مأواها وجدران أمانها.
في الفيديو الذي وثّق الاعتداء، بدا الرجل المسنّ متهالكًا، يترنّح تحت وطأة المرض والسنين، بينما تمتد إليه يدٌ شابّة لتصفعه بغلظةٍ أمام ابنته، لم تكن الصفعة مؤلمة في ظاهرها، لكنها كسرت شيئًا عميقًا في وجدان الناس، لقد شعر الجميع أنّ الكرامة الإنسانية أصبحت مهددة، وأنّ الشيخوخة التي كانت تُجلّ في الوعي الجمعي باتت عرضةً للامتهان.
ولكن الأعجب من الصفعة ذاتها، هو ذلك الصمت القاتل الذي خيّم على المكان، كيف رأى الواقفون شيخًا يُهان أمام ابنتِه، ولم يتحرك فيهم ساكن؟
أكانت الرجولة قد هاجرت القلوب؟ أم أنّ الخوف من بطش المعتدين ومن يقف وراءهم قد كمّم الأفواه وأطفأ صوت الشهامة؟، أيُّ زمانٍ هذا الذي تُهان فيه الكرامة على مرأى من الجميع، فلا يُمدّ يدٌ لردع الظلم، ولا يُقال حتى “عيب”؟
لقد كان المشهد أقسى من أن يُحتمل؛ صفعة على وجه الشيخ، وصفعات على وجوه كل من شاهد وسكت،
أهو جبنٌ، أم موتٌ بطيءٌ للنخوة التي كانت ذات يومٍ مفخرة المصريين؟، ما أشدّ وجع اللحظة حين يصبح الصمتُ تواطؤًا، والحيادُ خيانةً، والخوفُ مبرّرًا لانكسار الكرامة!
وعلى النقيض ما إن انتشر الفيديو حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بفيضٍ من الغضب والمرارة، فقد عبر البعض، بأنها ليست صفعة على وجه رجلٍ، بل على وجه مصر كلها، بينما رآها آخرون أنّ ما حدث تجسيدٌ فجّ لاحتقانٍ اجتماعيٍّ طويلٍ صنعته الظروف الاقتصادية، وقوانين السكن القديمة والجديدة، لقد تحوّل الغضب الشعبي إلى ما يشبه “محاكمةً أخلاقيةً” للمجتمع بأكمله، بين من فقد الرحمة، ومن صمت عنها.
والحقيقة، جاء تحرك الأجهزة الأمنية بسرعةٍ فائقة، فتم ضبط المتهمين وإحالتهما إلى جهات التحقيق، التي أمرت بحبسهما احتياطيًا على ذمة التحقيقات.
تلك الواقعة المؤلمة، تطرق الرؤوس بشدة، بتساؤل حتمي مُلح، إلى أين يتجه هذا الغضب الكامن في نفوس المصريين؟
فهل يمكن أن تتكرر مثل هذه المشاهد، مع اتساع شبح التهديد بالإخلاء السكني بعد تطبيق قانون الإيجار الجديد؟، وهل ستكون تداعيات لتلك المعضلة القانونية، أم أنها محض إرهاصات لقادم شديد الخطورة على السلم والأمن المجتمعي؟
وأراها من خلال تحليل معطيات الأوضاع، ليست سوى مقدّمة لصراعاتٍ اجتماعيةٍ كامنة، حيث يلتقي الفقر بالغلظة، واليأس بالضعف، والحق القانوني بالقسوة الإنسانية.
في خلفية الحادثة، يلوح قانون الإيجار الجديد كظلٍّ ثقيلٍ على مئات الآلاف من الأسر المصرية المقيمة في بيوت الإيجار القديم منذ عقود، فبين مؤيدٍ يرى في القانون استردادًا للحقوق، ومعارضٍ يراه تهديدًا للأمن الاجتماعي، تقف الطبقات الضعيفة في المنتصف، مرتعبة من أن تُقتلع من جذورها، وأن تفقد جدرانها التي تشبهها وتحتضنها منذ أجيال، حادثة السويس بكل تفاصيها، ليست إلا وجهًا صغيرًا لهذا الخطر الكبير، ف حين يفقد الناس شعور الأمان في بيوتهم، يتبدّل الهدوء إلى احتقان، والسكوت إلى انفجار.
الواقعة لم تكن مجرد اعتداء، بل مرآةً تعكس ملامح مرحلةٍ اجتماعيةٍ متوترة، فهي تُنذر بأنّ تطبيق القوانين دون حسٍّ إنسانيٍّ أو تدرّجٍ اجتماعي، قد يشعل مواجهاتٍ خفية بين المواطن والقانون، بين الفقر والملكية، بين الواقع والكرامة، لقد كانت صفعة واحدة، لكنها أيقظت الضمير، وحرّكت الخوف من غدٍ قد تتكرّر فيه مثل هذه المآسي بأشكال أخرى.
إنّ حادث السويس، بكل ما فيه من ألمٍ وغضب، هو جرس إنذارٍ مبكر لصنّاع القرار وللمجتمع على السواء، فعندما يشعر الناس بأنّهم يُطردون من بيوتهم دون بديل، وأنّ الشيخوخة تُهان، وأنّ الفقر يُعاقَب بدل أن يُعالج، فذاك هو الطريق إلى الانفجار، فهل نحول الألم إلى يقظة، والصفعة إلى بدايةِ وعيٍ جديدٍ بأنّ الرحمة ليست ضعفًا، بل هي صمّام الأمان في زمنٍ يشتدّ فيه الصراع على البقاء.
ختامًا، إلى عم غريب، الرجل الذي لم يعرف أنّ صفعة الظلم على وجهه ستوقظ فينا كل هذا الوجع، وكل هذا الوعي، نعتذر لك يا عمّنا، لا لأنّنا شاركنا في أذاك، بل لأنّنا صمتنا طويلًا على ما يشبهه، نعتذر لأنّك وجدت نفسك وحيدًا في مواجهة قسوةٍ لا تليق بسنّك ولا بكرامتك، نعتذر لك باسم كل من رأى المشهد وارتجف قلبه خجلًا من إنسانيته.
سلامٌ لشيبتك التي ما انحنت إلا تعبًا، لا ذلًّا، سلامٌ لابنتك التي صرخت بالكرامة حين خذلها الجميع، لقد جعلتنا، يا عم غريب، نعيد اكتشاف معنى الاحترام، ونستعيد صورة الأب المصري الذي كان يومًا عماد البيت وروح الحارة وصوت الضمير، فلتطمئن، أيها الطيب الصابر، فصفعتك لم تمرّ هباءً، بل أيقظت فينا ما ظنناه مات، وأعادت إلينا وجداننا المفقود.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،







