مسيَّرة أم مُخيَّرة؟ لم يعد هذا السؤال مجرد قضية فلسفية أو عقدية، بل فرض نفسه بقوة مع الاعتداء الذي استهدف ميناء دمياط بطائرةٍ مسيَّرة، في مشهدٍ امتزج فيه خطر التكنولوجيا بقلق السياسة، وتداخلت فيه إرادة المعتدي مع قضاء الله وقدره.
وبين “المسيَّرة” التي حملت أدوات العدوان، و”المخيَّر” الذي يقرر أن يعتدي أو يعتصم بالسلام، يقف الإنسان متأملًا حقيقةً راسخة؛ أن أفعال البشر قائمة على الاختيار والمساءلة، بينما ما يترتب عليها من نتائج يجري في إطار مشيئة الله التي لا يخرج عنها شيء.
ومن هنا، فإن حادث دمياط ليس مجرد واقعة أمنية عابرة، بل مناسبة للتأمل في العلاقة بين القضاء والقدر، وبين الأخذ بالأسباب والثقة بالله، وكيف يمكن أن تتحول المحنة إلى منحة إذا أيقظت الوعي، ووحدت الصفوف، ورسخت قيمة الاستعداد وحسن التوكل.
لم تكن السماء فوق ميناء دمياط في ذلك اليوم مسرحًا لحادث عابر، ولم تكن الطائرة المسيَّرة التي اخترقت أفقه مجرد أدوات طيران حديثة فقدت وجهتها، وإنما كانت تحمل إرادة من أطلقها، ورسالة من وجَّهها، وأهدافًا تتجاوز بكثير حدود السفينتين اللتين تعرضتا للاعتداء.
فحين تُستهدف منشأة ترتبط بالطاقة، ويُختار لها توقيت ومكان بهذه الحساسية، فإن السؤال لا يعود: ماذا حدث؟ بل يصبح: لماذا حدث؟ ولصالح من؟
إن استهداف سفينتي الغاز في ميناء دمياط لا يمكن النظر إليه باعتباره واقعة أمنية معزولة، فالموانئ ليست أرصفة وسفنًا ورافعات فحسب، بل هي شرايين الاقتصاد، ونوافذ الدولة على العالم، ورسالة طمأنة للمستثمرين وشركات الملاحة الدولية، ومن هنا، فإن أي اعتداء عليها يتجاوز حدود الخسائر المباشرة ليطال الثقة، وهي أثمن ما تملكه الاقتصادات الحديثة.
وفي خضم هذا المشهد، برز وجه آخر للصورة، أكثر إشراقًا وأكثر استحقاقًا للتقدير، إنه وجه رجال الميناء، والعاملين في مواقع التشغيل، وأطقم السلامة، والحماية المدنية، وكل من وجد نفسه في مواجهة خطر لا يمنح مهلة للتفكير، بل يفرض القرار في ثوانٍ معدودة، هؤلاء لم يكونوا أبطالًا في فيلم، بل رجالًا يؤدون واجبهم تحت ضغط اللهيب والدخان.
لقد أثبتت الاستجابة الأولى أن الإنسان، مهما تطورت التكنولوجيا، يظل هو السلاح الأهم، فالمنشآت لا تحميها الجدران وحدها، وإنما تحميها العقول المدربة، والضمائر اليقظة، والخبرة التي تعرف كيف تتعامل مع الأزمة قبل أن تتحول إلى كارثة فادحة الخسائر، وما حدث في دمياط يستحق أن يُدرَّس بوصفه نموذجًا في سرعة الاحتواء والتنسيق والتضحية.
غير أن الاحتفاء بالبطولة لا ينبغي أن يحجب الأسئلة، لأن الأمم التي تكتفي بالتصفيق للأبطال، دون أن تسأل عديد الأسئلة ومنها:
كيف وقع الخطر أصلًا،
من الذي اختار هذا الهدف؟
ومن الذي رأى في ميناء دمياط ساحة مناسبة لإرسال رسالته؟
وما الذي يجعل منشآت الطاقة هدفًا مغريًا في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة؟
وهل كان المقصود إحداث خسائر مادية، أم إرباك المشهد الاقتصادي، أم الزج بالدولة في أتون الحرب الإقليمية؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، ولا دعوة إلى إطلاق الاتهامات جزافًا، وإنما هي جوهر أي مراجعة جادة. فالحوادث تنتهي، أما الدروس فيجب أن تبقى.
وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية، وربما أكثر إلحاحًا: هل كانت الإجراءات التي أُدير بها الموقف انعكاسًا لمنظومة جاهزة لإدارة الأزمات، أم أنها جاءت بوصفها رد فعل فرضته اللحظة؟ والإجابة تتبلور في أن الفارق بين الأمرين كبير:
فإذا كانت هناك سيناريوهات أُعدت مسبقًا، وتدريبات نُفذت، وخطط جرى اختبارها، فإن ذلك يبعث برسالة اطمئنان، ويؤكد أن مؤسسات الدولة لا تنتظر الأزمة حتى تبدأ في التفكير، وتنتهج منهجًا يتوافق وعلم إدارة الأزمات.
أما إذا كانت النجاة قد تحققت بفضل حسن التصرف الفردي وسرعة البديهة، فإن البطولة تظل محل تقدير، لكن الواجب يفرض تحويلها إلى نظام، حتى لا تبقى سلامة المنشآت رهينة اجتهادات الأفراد، مهما بلغت كفاءتهم.
ويبقى السؤال الذي يشغل الجميع: هل يمكن ضمان عدم تكرار ما حدث؟
الحقيقة أن أحدًا لا يملك أن يقدم ضمانًا مطلقًا في عالم أصبحت فيه الطائرات المسيَّرة متاحة، وأصبحت وسائل الاعتداء أقل تكلفة وأكثر تعقيدًا، لكن ما يمكن ضمانه هو أن تكون هناك مراجعة مستمرة، وتحديث دائم لمنظومات الرصد والإنذار، وتدريب لا ينقطع، وتنسيق محكم بين كل الجهات المعنية، بحيث تتحول كل أزمة إلى درس، وكل درس إلى إجراء، وكل إجراء إلى قدرة أكبر على الردع والحماية.
وإذا كانت الطائرات المسيَّرة قد فرضت علينا سؤالًا أمنيًا، فإنها فرضت أيضًا سؤالًا استراتيجيًا: هل ننتظر الاعتداء التالي لنكتشف ما ينبغي أن نفعله، أم نجعل من كل حادثة نقطة انطلاق نحو استعدادٍ أكثر احترافًا، وقدرةٍ أكبر على الردع، وثقةٍ أعمق في مؤسسات الدولة؟
أما هوية المعتدي، فلن تُحسم بالشائعات، ولن تُبنى على الظنون، وإنما ستكشفها الأدلة، وتثبتها التحقيقات، ويكتبها التاريخ بمداد الحقيقة لا بأوهام المتكهنين، وما نوقن به اليوم أن مصر دولة تعرف كيف تدير أزماتها بعقلٍ راجح، وقيادةٍ تمتلك من الحنكة والحسم ما يكفل الوصول إلى الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من تسول له نفسه المساس بأمنها واستقرارها، أيًا كان ومن يقف خلفه، وفق ما تثبته الوقائع والقانون.
إن مصر لا تنكسر أمام التحديات، ولا تفرط في حقها، ولا تنسى من اعتدى عليها، ولا تتهاون في صون أمنها وسيادتها، ويحميها رجال صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه، يؤمنون بأن أداء الواجب لا سيما في لحظة الخطر هو أسمى معاني الشرف، وأن الذود عن أرض الوطن ومقدراته رسالة لا تعرف التردد ولا المساومة.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،
لواء/ يحيى عبد الكريم





