في كل مرة يحقق فيها المنتخب الوطني فوزاً أو يتعرض لخسارة تتجه الأنظار إلى المدرب واللاعبين لتحليل الأداء الفني ومناقشة الخطط والتكتيكات واستخلاص الدروس من المباراة.
وهذا أمر طبيعي لأنهم يمثلون وطناً بأكمله ويتحملون مسؤولية المنافسة وإسعاد الجماهير.
لكن ما لم يعد طبيعياً هو انتقال الاهتمام من الملعب إلى المنازل ومن الأداء الرياضي إلى الحياة الشخصية حتى أصبحت خصوصيات المدرب واللاعبين وأسرهم مادة تتصدر العناوين وتتنافس على نشرها بعض القنوات والصحف وصفحات التواصل الاجتماعي.
لقد باتت صور الزوجات والأبناء والامهات اللآتي يفشين الأسرار والرحلات العائلية والمناسبات الخاصة بل وحتى تفاصيل الحياة اليومية تُقدَّم للجمهور على أنها أخبار تستحق المتابعة بينما لا تمت بصلة إلى الرياضة ولا تضيف شيئًا إلى وعي المشجع أو ثقافته الرياضية.
والأسوأ من ذلك أن بعض وسائل الإعلام تروج لهذه المواد بهدف تحقيق نسب مشاهدة أعلى
وزيادة التفاعل وجني المزيد من الأرباح وكأن حياة الناس الخاصة أصبحت تجارة مشروعة.
إن المدرب واللاعب مهما بلغت شهرته يبقى إنساناً قبل أن يكون شخصية عامة.
صحيح أنه يقبل بالنقد والمحاسبة فيما يتعلق بعمله داخل الملعب لكن ذلك لا يعني أنه يتنازل عن حقه في الخصوصية ولا يمنح الآخرين الإذن بالتدخل في حياته الأسرية أو تتبع تفاصيلها.
فالشهرة لا تلغي الحقوق والنجومية لا تعني أن تصبح الحياة الشخصية مباحة للجميع.
أما الزوجات والأبناء وبقية أفراد الأسرة فهم لم يختاروا الوقوف تحت الأضواء ولم يقرروا أن يكونوا شخصيات عامة.
لذلك فإن الزج بأسمائهم وصورهم في الأخبار والمنشورات أو جعلهم مادة للتعليقات والسخرية أو المقارنات يعد تجاوزاً أخلاقياً قبل أن يكون تجاوزاً إعلامياً.
وللأسف ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الأزمة إذ أصبح السباق نحو “الترند” يدفع البعض إلى نشر أي معلومة أو صورة دون التحقق من ضرورتها أو احترام خصوصية أصحابها. وتحولت المنافسة الإعلامية من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن المشاهدات ومن تقديم المعلومة المفيدة إلى صناعة الإثارة حتى ولو كان الثمن هو انتهاك خصوصية الآخرين.
إن الإعلام الرياضي الحقيقي لا يُقاس بعدد النقرات أو المشاركات بل بقدرته على تقديم محتوى يحترم عقل المتلقي ويرتقي بالذوق العام ويخدم الرياضة نفسها.
فالنقد يجب أن يوجه إلى الأداء الفني وإلى الاختيارات التكتيكية وإلى مستوى الانضباط داخل الفريق لا إلى شكل الحياة الخاصة أو تفاصيل الأسرة.
ومن جهة أخرى يتحمل الجمهور مسؤولية لا تقل أهمية.
فكل متابعة لمحتوى ينتهك الخصوصية وكل مشاركة لصورة أو إشاعة تمنح هذا النوع من الإعلام سبباً للاستمرار.
أما عندما يرفض الجمهور هذا الأسلوب ويطالب بمحتوى يحترم الإنسان ويركز على الرياضة فإن الإعلام سيضطر إلى مراجعة أولوياته.
إن المنتخبات الوطنية لا تحتاج إلى إعلام يلاحق العائلات بل إلى إعلام يساند الرياضة بالنقد البنّاء والتحليل الموضوعي.
كما أن الجماهير تستحق محتوى يحترم وعيها لا أن تُشغل بقصص لا علاقة لها بالمنافسة ولا بالإنجاز.
وفي الختام يبقى المستطيل الأخضر هو الميدان الذي يجب أن تُقاس فيه كفاءة المدرب واللاعبين.
هناك تُحتسب الانتصارات والهزائم وهناك يُوجَّه الثناء أو النقد.
أما خارج حدود الملعب فلهم حياة خاصة ينبغي أن تبقى مصونة، بعيداً عن عدسات الفضول وبعيداً عن المتاجرة الإعلامية.
فاحترام الخصوصية ليس ترفاً بل قيمة أخلاقية ومهنية ودليل على إعلام يعرف حدوده ويضع الإنسان قبل السبق الصحفي والكرامة قبل نسب المشاهدة.










