بعد انتظار امتد لأكثر من خمسة عقود، نجح فريق علمي في تصنيع مركب فطري نادر يُعرف باسم “فيرتيسيلين A” داخل المختبر، في خطوة علمية تُعد من أبرز التطورات الحديثة في أبحاث علاج السرطان، وتفتح آفاقًا جديدة لدراسة هذا المركب وتطوير أدوية محتملة قائمة عليه.
ووفقا لـ sciencealert المركب الذي تم اكتشافه منذ سنوات طويلة في الطبيعة، يوجد بكميات ضئيلة للغاية داخل نوع من الفطريات المجهرية، ما جعل الحصول عليه لأغراض البحث أمرًا بالغ الصعوبة، ولم تقتصر التحديات على ندرته فقط، بل امتدت إلى تعقيد تركيبه الكيميائي وعدم استقراره، وهو ما عرقل محاولات تصنيعه مخبريًا على مدار سنوات طويلة.
غير أن فريقًا بحثيًا من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالتعاون مع كلية الطب بجامعة هارفارد تمكن أخيرًا من تجاوز هذه العقبات، عبر تطوير منهجية جديدة مستندة إلى تقنيات سابقة، لكن بعد إعادة تصميمها لتتلاءم مع الخصائص الدقيقة لهذا المركب.
وأوضح الكيميائي محمد موفاساغي، أن الفروقات البسيطة في البنية الجزيئية، رغم كونها محدودة للغاية، كانت كفيلة بتعقيد عملية التصنيع بشكل كبير، ما استدعى إعادة النظر في طريقة البناء الكيميائي بالكامل.
وأشار موفاساغي إلى أن الفريق بات يمتلك الآن فهمًا أعمق لتأثير التغيرات البنيوية الطفيفة على صعوبة التصنيع، مؤكدًا أن هذا التقدم لا يقتصر على إنتاج المركب فقط، بل يتيح أيضًا تصميم نسخ معدلة منه لدراسات أكثر تفصيلًا في المستقبل، ويتكون “فيرتيسيلين A” من وحدتين جزيئيتين متطابقتين مدمجتين في بنية واحدة تُعرف بالجزيء الثنائي، وهي بنية تبدو بسيطة نظريًا، لكنها تتطلب دقة عالية في ترتيبها ثلاثي الأبعاد لضمان نجاح التصنيع.
وقد اعتمد الباحثون في ذلك على سلسلة من الخطوات الدقيقة، شملت إعادة ترتيب تسلسل التفاعلات الكيميائية، وتأمين الروابط الحساسة أثناء عملية البناء، وهو ما استغرق 16 مرحلة متتالية للوصول إلى الشكل النهائي الصحيح، وأكد الفريق أن توقيت تنفيذ كل خطوة كان عاملًا حاسمًا في نجاح العملية، ما اضطرهم إلى تعديل ترتيب تكوين الروابط بشكل جذري مقارنة بالمحاولات السابقة.
وعقب تصنيع المركب، أُجريت تجارب مخبرية لاختبار فعاليته إلى جانب نسخ معدلة منه على خلايا سرطانية مزروعة، تحديدًا خلايا ورم “الدبقيات الجسري المنتشر” (DMG)، وهو نوع عدواني من أورام الدماغ يصيب الأطفال، وأظهرت النتائج أن المركب احتفظ بقدرته على القضاء على هذه الخلايا، وهي نتيجة تتوافق مع دراسات سابقة على مركبات مشابهة.
كما كشفت التحليلات أن النسخة المصنعة حديثًا تتميز بقدرة أعلى على استهداف البروتينات الحيوية داخل الخلايا السرطانية بدقة، ما يعزز من فرص تطويره كعلاج محتمل في المستقبل، ويُنظر إلى هذا الإنجاز على أنه خطوة مهمة نحو فهم أعمق لآلية عمل هذا المركب داخل الجسم، وكيفية توظيفه في تصميم أدوية أكثر فاعلية، وفي هذا السياق.
وأكد عالم الأحياء الكيميائية جون كي من كلية الطب بجامعة هارفارد أن المركبات الطبيعية لطالما شكلت مصدرًا غنيًا لاكتشاف العلاجات، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تقييمًا شاملًا للإمكانات العلاجية لهذا المركب، من خلال دمج الخبرات في مجالات الكيمياء والبيولوجيا وعلوم السرطان والرعاية الطبية.




