تطرق اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية سابقًا، في مقاله هذا الأسبوع، في موقع “الاتجاه”، إلى أزمة اللاجئين داخل مصر، حيث استقبلت مصر منذ 2011 مئات الآلاف، بل ملايين، من سوريا والسودان وليبيا واليمن، جراء الصراعات والانقسامات الداخلية التي تعيشها هذه الدول، ما يطرح تساؤلات عدة حول تداعيات ذلك على الأمن القومي المصري: هل اللاجئون في مصر ملاذ آمن أم ثغرة مفتوحة؟
وإلى نص المقال:
استقبلت مصر منذ 2011 وحتى اليوم، مئات الآلاف، بل ملايين، من الأجانب واللاجئين من دول متعددة تعيش صراعات ونزاعات داخلية مسلحة، مثل سوريا، السودان، ليبيا، واليمن.
واتسمت السياسة المصرية تجاههم بالانفتاح النسبي، ورفض تحويلهم إلى معسكرات مغلقة كما هو الحال في عديد من الدول المستقبلة للاجئين – من المتشدقين بحقوق الإنسان -، بل تركتهم يندمجون في المجتمع.
ومع تفاقم الصراعات الإقليمية، واحتدام المواجهات بين قوى إقليمية كإيران وإسرائيل، يبرز السؤال المشروع: هل يشكل بعض اللاجئين خطرًا على الأمن القومي المصري؟ وهل يمكن أن يُستخدموا كعناصر تجسس أو اختراق، من قِبَل أعداء الأمة؟
وقبل التناول المفصل لتلك الأطروحة، نستقرئ معًا بعض التقديرات، حيث تشير بعض الإحصائيات إلى وجود ما يزيد على عشرة ملايين أجنبي في مصر، بينهم قرابة 960 ألف لاجئ من نحو 60 جنسية مختلفة، مسجَّلين رسميًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يعيشون بين السكان، ويعمل كثير منهم في الاقتصاد غير الرسمي، ما يجعل حركتهم أقل رقابة، وأوسع تداخلاً.
من الجملة الأخيرة بالفقرة السابقة، نتناول بداية المخاطر والتهديدات الناجمة عن وجود هذا القدر من الأجانب واللاجئين، ومن أخطرها القابلية للاستغلال، فالمراهقون أو المهمشون اقتصاديًا، عرضة للتجنيد من جهات خارجية، عبر المال، والتأطير العقائدي أو الطائفي، وكذلك صعوبة الرصد داخل التجمعات، نظرًا للاختلاط السكاني، ما يجعل من بعض المناطق أرضًا خصبة للعمل السري.
وتتجلى أعقد التهديدات في إمكانية قيام بعض القوى الإقليمية والمعادية، باستغلال حركات النزوح، لزرع عناصر استخباراتية بين اللاجئين، على النسق الذي جرى في بعض الدول الأوروبية مع عناصر تنظيم داعش الإرهابي.
قد يبدو مشهد اللاجئين المتغلغلين في نسيج المجتمع المصري متسقًا، ظاهريًا، مع معايير العدالة الدولية ومقتضيات الإنسانية، لكن الواقع الأمني يفرض علينا أن نقرأ ما وراء المشهد، فالاندماج غير المحكوم، والحركة المفتوحة بلا رقابة صارمة، تخلق بيئة خصبة لزرع العيون، وتجنيد الألسنة، وتدوير العملاء في جسد الدولة، دون أن يشعر أحد.
والأطروحة التي تطرق الأذهان بقوة: هل من ترك وطنه يشتعل تحت وطأة الحرب والخراب، ولم يُبدِ ولاءً له ولا مقاومة لعدوه، يُرجى منه ولاءٌ لأرض لم يولد فيها؟
إن مصر، التي فتحت ذراعيها للاجئين والمقيمين، لم تكن يومًا طاردة ولا جاحدة، لكنها لا تملك رفاهية التساهل حين يتعلق الأمر بأمنها القومي، فالمواطن الحق يُختبر عند اشتداد العواصف، لا عند امتلاء الموائد.
ومن اعتاد الهروب من مسؤولية الدفاع عن وطنه، قد يصبح أداة طيّعة في يد من يدفع أو يُغري. الأمن القومي ليس شعارات تتغنى بها الشعوب، بل هو خيط ناظم لوحدة الدولة، لا يجوز العبث به تحت ستار الرحمة أو حقوق الإنسان. ومصر، بتاريخها، لن تُلدغ من جُحر الولاء المُزيّف مرتين.
والتي كانت أولاهما خلال فترات الستينيات والسبعينيات، حين فتحت مصر أبوابها لعناصر عربية فارة من أنظمة بلادها، بعضهم جاؤوا لاجئين سياسيين أو دينيين، لكنهم استخدموا مصر كقاعدة خلفية لنشر أفكار متطرفة، وتورط بعضهم لاحقًا في دعم جماعات عنف داخل مصر، أو التحريض ضد الدولة.
ولا يخفى على أحد، أن قدرة الموساد على التسلل داخل العمق الإيراني، لم تكن يومًا محض صدفة، بل ثمرة عمل استخباراتي طويل، استغل الثغرات البشرية قبل التكنولوجية.
فقد نجح في تجنيد عناصر من الأجانب واللاجئين داخل إيران أو على أطرافها، ما سهّل اختراق البنية الأمنية الصلبة، وفتح الأبواب أمام اغتيال العلماء، وتدمير المنشآت النووية، وكشف أسرار بالغة الحساسية.
وهذه التجربة – التي تُعد من أقسى الضربات الموجهة لأمن دولة كبرى – يجب أن نقرأها جيدًا ونحلل عناصرها، لأن بيئة الانفتاح السكاني، وتعدد الجنسيات، وعدم كفاية الفرز الأمني الدقيق، قد تفتح الباب لتكرار ذات السيناريو على أرض مصر.
فهل ننتظر أن نُلدغ من نفس الجحر، ونحن نملك أدوات التحصين؟ السؤال السابق ليس استفهاميًا، ولكنه تقريري، يؤكد أن عناصر التحصين وآلياته مفعّلة لدى الأجهزة الأمنية المختلفة، وإنما يريد الكاتب استعراض المحاور المعززة لذلك، من منطلق تجاربه وخبراته الطويلة في مجال العمل الأمني.
وأخصّ أدوات التحصين وعناصره الرئيسة، تنطوي تحت مظلة محورين، يشمل كل منهما عدة نقاط أساسية، نُجمِلها دون إطالة، فيما يلي:
أولاً – محور أدوات التحصين الأمني، ويتضمن عدة مستويات، ومنها:
(التدقيق الأمني من خلال فحص خلفيات اللاجئين: جنائي، سياسي – تتبع تحركاتهم بشكل دوري، خصوصًا المقيمين قرب المنشآت الحساسة والشخصيات الهامة)،
(المراقبة الذكية باستخدام التكنولوجيا، واستخدام الذكاء الاصطناعي، لتحليل الأنماط السلوكية المشبوهة، وربط بيانات اللاجئين بقواعد بيانات الأجهزة الأمنية ذات الصلة)،
(اختراق التجمعات المشبوهة من الداخل، وزرع مصادر أمنية بين أوساطهم).
ثانيًا – محور أدوات التحصين المجتمعي، من خلال:
(بناء وعي شعبي مسؤول، وإطلاق حملات إعلامية ذكية توضح أن الاحتضان لا يعني الغفلة، وأن الأمن القومي شأن كل مواطن، مع تجنب خطاب الكراهية، مع التحذير من السذاجة المجتمعية)،
(تنشيط التبليغ المجتمعي، وفتح قنوات آمنة موثوقة لتلقي بلاغات المواطنين حول التحركات الغريبة، ومكافأة المُبلّغين الجادين، وتعزيز ثقافة المواطن الرقيب).
إن التحصين لا يعني الانغلاق، والاحتضان لا يعني الغفلة، والسيادة لا تعني القسوة، بل تعني أن نرحّب باللاجئ ونراقبه، أن نمنح ونحمي، أن نحتضن ونحذر، فالوطن لا يُؤتَى من داخله إلا إن نامت عيونه.
ونؤكد على أن ليس كل لاجئ جاسوسًا محتملًا، وليس كل اندماج تهديدًا، لكن في زمن الفوضى الاستخباراتية، والتجنيد غير التقليدي، تبقى الحصانة الوقائية واجبًا، لا يتعارض مع العدالة، ولا مع الكرامة الإنسانية.
بقي أن نُبرز، دون انحياز أو ميل وهوى، أنه في زمن تتكاثر فيه الأيادي العابثة، وتتشابك الخيوط الاستخباراتية، تقف الأجهزة الأمنية المصرية، بكل تخصصاتها ومرجعياتها، كصخرة لا تُشق، وعين لا تنام، يقظتها ليست رد فعل، بل منهجٌ راسخ في حماية الدولة من الاختراق، والتفكك، والتسلل الناعم. فكل محاولة للمساس بالأمن القومي، تُرصد قبل أن تُولد، وتُجهض قبل أن تتحرك.
ومن يظن أن مصر ساحة رخوة، فليُعِد حساباته، فهنا وطن تحرسه عقول مدرّبة، وعيون مفتوحة، وسواعد لا ترتجف حين يحين وقت الحسم.
تحيا مصر.. شعبًا وقيادة،
والله من وراء القصد.








