أودعت الدائرة الثالثة بمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة حيثيات أحكامها الصادرة في الدعاوى أرقام 83822 و85645 و87683 لسنة 78 ق الخاصة بسحب ترخيص فيلم الملحد، والمقامة ضد وزير الثقافة وآخرين، والتي قضت بقبول الدعاوى شكلاً ورفضها موضوعاً وإلزام المدعين بالمصروفات. وترأس الجلسة المستشار الدكتور فتحي محمد السيد هلال وعضوية كل من المستشارين حسن أحمد شوقي ونوح محمد حسين والدكتور محمد حسن علي وأحمد جلال زكي وأحمد صلاح عمر ومحمد عبد الله مقلد، بحضور مفوض الدولة محمد بدر الدين محمد وأمانة سر الأستاذ وائل أحمد أحمد.
وكان المدعون قد طالبوا بإلغاء قرار جهة الإدارة بعدم سحب ترخيص فيلم الملحد، زاعمين أن الفيلم يحمل رسائل سلبية وأفكاراً هدامة من شأنها هدم القيم الدينية وثوابت الدين الإسلامي والترويج لأفكار متطرفة وتشجيع الإلحاد.
رفضت المحكمة الدفع بعدم أهلية المدعين للمقام، مشيرة إلى أن وقف أو مصادرة الأعمال الفنية لا يكون إلا عن طريق النيابة العامة وفق نص المادة 67 من الدستور، وأن هذا النص لا يمنع الجهة الإدارية من ممارسة اختصاصها في الرقابة على الأعمال الفنية وسحب الترخيص إذا دعت الحاجة، ولا يمنع ذوي المصلحة من الطعن أمام محاكم مجلس الدولة على قراراتها.
وأشارت المحكمة إلى أن القانون وضع المصنفات السمعية والسمعية البصرية تحت الرقابة لحماية النظام العام ومصالح الدولة العليا، وأنه يحظر تصوير أو عرض أو توزيع هذه المصنفات إلا بعد الحصول على ترخيص من وزارة الثقافة، مع إمكانية سحب الترخيص عند ظهور ظروف تستدعي ذلك. كما نصت اللائحة التنفيذية على ضرورة مراعاة القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية عند الترخيص للمصنفات، وحظر إصدار الترخيص إذا كان من شأن المصنف الدعوة للإلحاد أو التعرض بالأديان السماوية.
وأكدت المحكمة أن حرية التعبير تُعد من أعمدة الحقوق والحريات المصرية، وهي وسيلة للفرد لتحقيق ذاته والمشاركة في المجتمع، مشيرة إلى أن المحكمة الدستورية العليا أكدت أن الحق في التعبير لا يرتبط بصحة الرأي أو توافقه مع الاتجاه العام، وأن الفن السينمائي وسيلة مهمة للتعبير عن الرأي ونشر القيم الإنسانية والأخلاقية.
وأوضحت المحكمة أن حرية التعبير ليست مطلقة، ويمكن تقييدها لحماية حقوق الآخرين أو الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة، وفق ما نص عليه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وذكرت أن المشرع أطلق حرية الإبداع الفني مع مراعاة حدود الحماية القانونية للآداب العامة والنظام العام ومصالح الدولة العليا والقيم الدينية والاجتماعية، وأن أي تجاوز لهذه الحدود يعد خروجاً عن المقومات الأساسية للمجتمع.
وبتطبيق ذلك على وقائع الدعاوى، رأت المحكمة أن الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات السمعية والسمعية البصرية أصدرت في 31 ديسمبر 2023 الترخيص رقم 121 لسنة 2023 بعرض فيلم الملحد، وهو فيلم ناطق بالعربية وجنسيته مصرية وتصنيفه الرقابي +18، وتدور قصته حول شاب مسلم تمرد على الوسط المحيط به نتيجة تشدد ديني من قبل والده، وأعلن إلحاده، لكنه عاد إلى الدين بعد وفاة والده وأدى صلاة الجنازة عليه بنفسه.
وأشارت المحكمة إلى أن الفيلم لا يحض على الإلحاد أو يظهر الملحد بصورة إيجابية أو يمس الأديان السماوية، وأن المدعين لم يوضحوا ماهية الرسائل السلبية التي تهدد القيم الدينية، وأن الاعتراض على عنوان الفيلم أو موضوعه لا يعد سبباً قانونياً لسحب الترخيص. وأكدت أن ربط الإلحاد بالتشدد الديني لا يمثل مساساً بالدين، وأن الفيلم يعرض الإلحاد من منظور نقدي دون تحبيبه، بما لا يخل بالقيم الدينية للمجتمع المصري.
واختتمت المحكمة بأن تنوع الأعمال الفنية وتباين الأذواق من مقتضيات حرية التعبير الفني المحمية دستورياً، وأنه لا يوجد ما يوجب قانونياً إلزام الإدارة المركزية بسحب ترخيص فيلم الملحد، وبناء عليه رفضت الدعاوى المرفوعة.








