نظمت وزارة الداخلية ، بالتنسيق مع الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب، فعاليات المؤتمر الثاني عشر لمسؤولي حقوق الإنسان بوزارات الداخلية العربية، بمشاركة واسعة من ممثلي وزارات الداخلية بالدول العربية، إلى جانب عدد من المنظمات والجهات الدولية والإقليمية المعنية بملفات حقوق الإنسان والعمل الأمني.
ويأتي انعقاد المؤتمر في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز التعاون العربي في مجال حقوق الإنسان، وتبادل الخبرات والتجارب بين الأجهزة الأمنية، بما يسهم في تطوير الأداء الشرطي وترسيخ الممارسات التي توازن بين متطلبات حفظ الأمن وصون الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية.
حقوق الإنسان ركيزة أساسية في العمل الأمني
انطلقت أعمال المؤتمر من تأكيد أهمية أن يكون احترام حقوق الإنسان وصون كرامة المواطن جزءًا أصيلًا من منظومة العمل الأمني، باعتبار أن تحقيق الأمن والاستقرار لا ينفصل عن توفير الحماية القانونية والإنسانية للمواطنين.
وشهدت جلسات المؤتمر نقاشات موسعة حول سبل تطوير آليات إدارات حقوق الإنسان داخل وزارات الداخلية العربية، ورفع كفاءة العاملين بها، بما يساعد على تحويل المبادئ العامة المتعلقة بحقوق الإنسان إلى ممارسات وإجراءات عملية داخل المؤسسات الأمنية.
وأكد المشاركون أهمية استمرار الحوار وتبادل الرؤى بين الدول العربية، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها المجال الأمني والتكنولوجي، وما تفرضه من تحديات جديدة تتطلب استجابات أكثر تطورًا ومرونة.
تطوير الهياكل التنظيمية لإدارات حقوق الإنسان
واستحوذ تطوير البناء التنظيمي لإدارات حقوق الإنسان بوزارات الداخلية العربية على جانب مهم من المناقشات، حيث جرى استعراض التجارب المختلفة للدول المشاركة في تنظيم عمل هذه الإدارات واختصاصاتها وآليات أداء مهامها.
وتناول المشاركون أهمية تطوير الهياكل المؤسسية بما يضمن وجود آليات فعالة للتعامل مع قضايا حقوق الإنسان، وتعزيز التدريب والتوعية لدى العناصر الشرطية، إلى جانب تطوير وسائل متابعة الأداء والتعامل مع الشكاوى والملاحظات المرتبطة بالخدمات الأمنية.
ويعكس هذا المحور توجهًا نحو تعزيز البعد المؤسسي لحقوق الإنسان داخل الأجهزة الأمنية، بحيث لا تقتصر المسألة على المبادرات الفردية، وإنما تصبح جزءًا من منظومة العمل الشرطي وآليات اتخاذ القرار والتقييم.
حماية ضحايا الجرائم الإلكترونية والعنف الرقمي
وفي ظل التحول الرقمي المتسارع، ناقش المؤتمر قضية حماية حقوق ضحايا الجرائم الإلكترونية والعنف الرقمي، باعتبارها من الملفات التي فرضت نفسها بقوة على أجندة الأجهزة الأمنية في السنوات الأخيرة.
وتطرق المشاركون إلى التحديات المرتبطة بالجرائم التي تُرتكب عبر الفضاء الإلكتروني، وما يترتب عليها من انتهاكات قد تطال الخصوصية أو السمعة أو السلامة الشخصية، فضلًا عن الحاجة إلى تطوير أدوات المواجهة الأمنية بما يتناسب مع طبيعة الجرائم الرقمية.
كما تناولت المناقشات أهمية توفير الحماية اللازمة للضحايا، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بالمخاطر الإلكترونية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية العربية في مواجهة الجرائم العابرة للحدود التي تستخدم التكنولوجيا الحديثة في ارتكابها.
الخدمات الشرطية من منظور إنساني
وخصص المؤتمر جانبًا من أعماله لمناقشة تطوير الخدمات الجماهيرية التي تقدمها الأجهزة الشرطية للمواطنين، مع التأكيد على ضرورة أن تقوم تلك الخدمات على منظور إنساني يضع احتياجات المواطن في مقدمة الأولويات.
وتناول المشاركون سبل تحسين جودة الخدمات الشرطية، وتيسير حصول المواطنين عليها، إلى جانب تطوير أساليب التعامل مع الجمهور، بما يعزز الثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.
ويأتي ذلك في إطار مفهوم أوسع للعمل الشرطي يقوم على أن الأمن لا يقتصر على مواجهة الجريمة، وإنما يشمل كذلك تقديم خدمات فعالة للمواطنين والاستجابة لاحتياجاتهم، بما يعزز مفهوم الشرطة المجتمعية.
التجربة المصرية تحظى بإشادة المشاركين
وشهد المؤتمر استعراض عدد من التجارب العربية في مجال حقوق الإنسان والعمل الأمني، حيث حظيت التجربة المصرية باهتمام وإشادة من المشاركين، خاصة فيما يتعلق بالمبادرات ذات الطابع الإنساني وتطوير الخدمات الشرطية.
وتناول العرض المصري عددًا من أوجه الاهتمام بمختلف فئات المجتمع، بما في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة، والفئات الأولى بالرعاية، ونزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل، في إطار توجه يستهدف تعزيز البعد الإنساني في الأداء الأمني.
كما سلطت المناقشات الضوء على أهمية المبادرات التي تستهدف تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، وتطوير آليات التواصل معهم، بما يسهم في دعم العلاقة بين أجهزة الأمن والمجتمع.
الأمن والاستقرار ودعم مسيرة التنمية
وأكد المشاركون أهمية الدور الذي تقوم به الأجهزة الأمنية في توفير البيئة اللازمة لتحقيق الاستقرار وحماية مقدرات الدول، باعتبار أن الأمن يمثل أحد العوامل الرئيسية الداعمة لمسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، ثمن المشاركون جهود وزارة الداخلية المصرية في مجال حفظ الأمن والاستقرار، وما يرتبط بذلك من حماية للمواطنين والممتلكات والمقدرات الوطنية، بما يدعم جهود التنمية في الدولة المصرية.
وأكدت المناقشات أن تطوير الأداء الأمني لا يتعارض مع الاهتمام بحقوق الإنسان، بل إن بناء مؤسسات أمنية أكثر كفاءة واحترافية وقدرة على التعامل مع المواطنين بصورة إنسانية يمثل عنصرًا مهمًا في تحقيق الاستقرار المستدام.
تكريم الكوادر الأمنية وتشجيع البحث في حقوق الإنسان
وفي إطار الاهتمام بتطوير الكوادر الأمنية العربية، شهدت فعاليات المؤتمر تكريم الفائزين في المسابقة البحثية المخصصة للكوادر الأمنية العربية في مجال حقوق الإنسان، وتسليمهم شهادات التقدير.
وتعكس المسابقة اهتمامًا بتشجيع الدراسات والأبحاث التي تتناول قضايا حقوق الإنسان من منظور أمني ومؤسسي، بما يساعد على إنتاج أفكار وحلول قابلة للتطبيق وتطوير الممارسات الأمنية.
كما يمثل إشراك الكوادر الأمنية في البحث والدراسة أحد المسارات المهمة لبناء قدرات بشرية قادرة على مواكبة المتغيرات التي يشهدها العمل الأمني، خصوصًا مع تنامي التحديات المرتبطة بالتكنولوجيا والجرائم الإلكترونية وتطور احتياجات المجتمعات.
تبادل الخبرات لتقليص الفجوات التنفيذية
وأكد المشاركون أن تبادل المعلومات والخبرات بين الدول العربية يمثل أداة مهمة لتطوير منظومة حقوق الإنسان داخل الأجهزة الأمنية، مشيرين إلى أن الاستفادة من التجارب الناجحة يمكن أن تسهم في تقليل الفجوات التنفيذية وتوفير نماذج قابلة للتطبيق وفقًا لخصوصية كل دولة.
كما شددوا على أهمية استمرار عقد مثل هذه الفعاليات بصورة دورية، باعتبارها منصة للحوار بين مسؤولي حقوق الإنسان بوزارات الداخلية العربية، وفرصة لتبادل الرؤى بشأن أفضل الممارسات في المجالات الأمنية والإنسانية.
نحو ترسيخ مفهوم الشرطة المجتمعية
وفي ختام الفعاليات، أعرب المشاركون عن تقديرهم لحسن تنظيم المؤتمر، مؤكدين أهمية تحويل المبادئ والسياسات والنصوص المتعلقة بحقوق الإنسان إلى إجراءات عملية وممارسات يومية داخل المؤسسات الأمنية.
ويمثل التركيز على مفهوم الشرطة المجتمعية أحد أبرز مخرجات هذا التوجه، إذ يقوم المفهوم على تعزيز الشراكة بين أجهزة الأمن والمجتمع، والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مع الحفاظ على فاعلية الدور الأمني في مواجهة الجريمة وحماية الأرواح والممتلكات.
ويؤكد انعقاد المؤتمر الثاني عشر لمسؤولي حقوق الإنسان بوزارات الداخلية العربية أهمية استمرار التنسيق العربي في هذا الملف، وتطوير الخبرات المشتركة، بما يعزز قدرة الأجهزة الأمنية على التعامل مع التحديات الحديثة وفق رؤية تجمع بين الأمن والاحترافية واحترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.
كما يعكس المؤتمر توجهًا عربيًا نحو تعزيز التكامل بين العمل الأمني والبعد الإنساني، بما يجعل حماية المجتمع وتحقيق الاستقرار وتقديم الخدمة الأمنية للمواطن جزءًا من منظومة واحدة تستهدف بناء الثقة وترسيخ الأمن المستدام.









