كتبت: ضحى ناصر
قسّمت المحامية والخبيرة القانونية الاستراتيجية إيرينا تسوكرمان تداعيات حملة العقوبات الأمريكية الأخيرة على إيران إلى ثلاثة محاور رئيسية، مؤكدة أن الاتساع الإجرائي لقوائم الحظر يتطلب مدخلاً جديداً يعتمد على تفكيك شبكات التسهيل المصرفية واللوجستية بدلاً من الملاحقة الفردية للشركات الصورية.
مفارقة الإنفاذ وملاحقة شبكات التهرب (أهداف 60+)
وأوضحت إيرينا تسوكرمان في تصريحات خاصة للإتجاه أن السلطة القانونية التي تملكها وزارة الخزانة الأمريكية واسعة بما يكفي لإدراج مئات الكيانات، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة الإدارة على مجاراة التحور المؤسسي السريع لشبكات التهرب الإيرانية.
وأكدت تسوكرمان أن تمديد العقوبات ليشمل الشحن، والطيران، والذهب، والأصول الرقمية يفرض عبئاً هائلاً على الشركات العالمية لإجراء فحوصات دقيقة لبيانات الملكية النفعية.
ولفتت إلى أن ملاحقة الشركات الصورية واحدة تلو الأخرى تحول الأمر إلى لعبة مطاردة لا تنتهي، مشيرة إلى أن الشبكات الإيرانية طورت على مدار سنوات آليات للتكيف عبر تغيير المديرين، وإعادة تسجيل السفن، والتداول عبر الوسطاء والذهب.
وشددت المحامية القانونية على أن الحل الوحيد أمام واشنطن لا يكمن في إطالة “قوائم الحظر” (SDN)، بل في تركيز الإنفاذ على البنية التحتية الدائمة التي تكرر هذه الشبكات استخدامها، كالبنوك المراسلة، وسجلات السفن، والموانئ، ومزودي الخدمات المؤسسية.
وأضافت أن الثغرة الكبرى في قواعد الامتثال تكمن في الهياكل المعقدة المصممة عمداً تحت حد ملكية الـ 50%، كالصناديق الاستئمانية المعتمة والشركات الأوفشور، مؤكدة أن العبء الإداري الأكبر يقع في النهاية على عاتق أقسام الامتثال في البنوك وشركات الشحن التي تتخبط يومياً بين تدقيق الملكيات والإنذارات الخاطئة.
معضلة التأمين البحري ومخاطر إغلاق مضيق هرمز كما حذرت تسوكرمان من أن النتيجة الأكثر خطورة للحملة الجديدة تتمثل في تأثر قطاع التأمين البحري، موضحة أنه بدون تغطية من “نوادي الحماية والتعويض” (P&I) للمخاطر والتلوث والحوادث، تصبح السفن غير صالحة تجارياً للإبحار عبر مضيق هرمز، حتى وإن كان القانون الدولي يكفل لها حق المرور النظري.
وأشارت إلى وجود حالة سائدة من “الامتثال المفرط” (Over-compliance) من قبل شركات التأمين التي لا تقيم العقوبات بناءً على احتمالية كسب الخزانة الأمريكية لدعوى قضائية، بل تخشى تجميد المدفوعات وتضرر السمعة، مما يدفع أقسام الامتثال للانسحاب الكامل من المنطقة تجنباً للغموض.
وتابعت تسوكرمان موضحة أن إيران قامت ببناء هيكل تأمين بحري ومدفوعات إجباري خاص بها حول المضيق ينطوي على كيانات معاقبة أمريكياً، مما يضع السفن أمام مأزق مزدوج: فإما الدفع لإيران والمخاطرة بالعقوبات الأمريكية، أو رفض الدفع والمخاطرة أمنياً في الممر المائي، وهو ما قد ينتج عنه “حصار مالي ذاتي”.
وأكدت أن ارتفاع أقسام مخاطر الحرب وتراجع معيدي التأمين يقلصان سعة الناقلات المتاحة، ما يرفع تكاليف الشحن وأسعار الطاقة عالمياً. *ونبهت* إلى أن غياب التراخيص والملاذات الآمنة المحددة من مكتب (OFAC) يجعل أقسام الامتثال في الشركات الخاصة تتصرف كصانعي سياسات جيوسياسية يقررون عملياً أي السفن تستمر في الإبحار.
غياب “مخرج الطوارئ” القانوني والدبلوماسي
وأوضحت أن الخطاب المصاحب للحملة يحول العقوبات من أدوات تفاوض ومساومة إلى وسائل لاستنزاف اقتصادي مفتوح، مما يخلق مشكلة “التزام قسري” تجعل القيادة الإيرانية ترى أن التنازل لم يعد يضمن لها أي تخفيف حقيقي للعقوبات.
وأكدت تسوكرمان أن نجاح استراتيجية الضغط الأقصى يتطلب إقران العزل الاقتصادي بسلم واضح ومرحلي للعودة إلى النظام المالي عبر بنود عودة تلقائية للعقوبات (Snapback) وتراخيص محددة، مشددة على أن الخنق الاقتصادي المستمر بدون أفق تفاوضي يدفع طهران للتمسك بأدوات ردعها غير المتماثلة، مما يجعل الخنق المالي سبباً في تغذية التصعيد العسكري بدلاً من احتوائه.
واختتمت تسوكرمان تحليلها بالتأكيد على أن غياب “مخرج طوارئ” (Off-ramp) دبلوماسي وقانوني يعد نقطة الضعف الاستراتيجية الأبرز في الحملة الأمريكية، مشيرة إلى أن العقوبات تفقد قدرتها كأداة للدبلوماسية القسرية عندما تعجز الدولة المستهدفة عن تحديد مسار واضح للتخفيف مقابل الامتثال.





