قال اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية السابق، في مقال له على موقع الاتجاه، إن مصر واجهت خلال السنوات الماضية مخططًا متكاملًا للإغراق الأمني والعسكري استهدف إنهاك الدولة عبر الإرهاب والحرب النفسية وتطويقها إقليميًا. مؤكدا أن الدولة نجحت في إفشال هذا المخطط من خلال حسم أمني محسوب، وتعزيز حضورها الإقليمي خاصة في أفريقيا والبحر الأحمر، مع الحفاظ على استقرارها الداخلي.
وأكد أن وعي الشعب ووحدته خلف مؤسسات الدولة كانا العامل الحاسم في إسقاط رهانات الفوضى وحماية الأمن القومي المصري.
وإلى نص المقال:
لم تكن ما واجهته مصر في السنوات العصيبة الماضية، ومازالت، مجرد تحديات عابرة أو أزمات أمنية محدودة، بل كان مخططًا متكامل الأركان للإغراق الأمني والعسكري، استهدف إنهاك الدولة المصرية، وكسر إرادتها الوطنية، ودفعها إلى مربع الفوضى، كما حدث في دول انهارت جيوشها وتفككت مؤسساتها تحت وطأة حروب الاستنزاف الحديثة.
تعرضت مصر لمحاولات خبيثة لضرب أمنها الداخلي عبر الإرهاب المنظم، وترويع الآمنين، واستهداف دور العبادة، والمنشآت الحيوية، ورجال الجيش والشرطة، في محاولة لإغراق الدولة في مستنقع دموي دائم، خاصة في سيناء.
ولم يكن الهدف مجرد عمليات إرهابية، بل استنزافًا شاملًا يُربك القرار، ويهز الثقة، ويدفع الدولة إلى صراع طويل مع نفسها، وتزامن ذلك مع حرب نفسية وإعلامية شرسة، اعتمدت على الشائعات، وتزييف الوعي، واستغلال الأزمات الاقتصادية، في محاولة لضرب الروح المعنوية للشعب المصري وإحداث شرخ بينه وبين دولته.
في الوقت ذاته، جرى العمل على تطويق مصر ببيئة إقليمية مضطربة؛ فحدود غربية ملتهبة بالسلاح والميليشيات، وحدود شرقية تموج بالاضطرابات والتهديدات، وتحديات جنوبية تمس شريان الحياة والأمن القومي، فضلًا عن محاولات تهديد الممرات البحرية الحيوية.
وكان الرهان أن تُستنزف مصر عسكريًا، وأن تُجبر على توزيع قواتها وطاقتها على جبهات متعددة، فتضعف أو تتراجع أو تنشغل عن دورها التاريخي في الإقليم. لكن الرهان سقط.
لم يتوقف استهداف الأمن القومي المصري عند حدود الجغرافيا المباشرة، بل امتد إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بوصفهما عمقًا استراتيجيًا لا ينفصل عن أمن مصر المائي والبحري.
ففي هذه المنطقة الحساسة، تتقاطع مصالح دولية وإقليمية تسعى إلى إعادة رسم موازين النفوذ، بما يفرض على مصر أعباء سياسية وأمنية إضافية في إطار سياسة الإغراق متعدد الجبهات.
وفي هذا السياق، برزت تحركات مقلقة تتعلق بمحاولات الاعتراف بما يسمى “دولة أرض الصومال”، وما قد يترتب عليها من ترتيبات سياسية وأمنية. فمثل هذا المسار، إذا ما جرى تكريسه، لا يمس وحدة الصومال فقط، بل يفتح الباب أمام وجود أمني وعسكري لأطراف غير عربية، لا سيما الكيان الصهيوني الغاصب، قرب مضيق باب المندب وخليج عدن، بما يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة العالمية.
تمثل هذه التحركات محاولة تطويق غير مباشرة لمصر، عبر الضغط على محيطها الاستراتيجي الجنوبي والشرقي، وربط ملفات الأمن البحري والمائي بترتيبات سياسية جديدة، بما قد ينعكس على أمن قناة السويس، ويضيف عبئًا استراتيجيًا جديدًا على الدولة المصرية، التي تجد نفسها مطالبة بحماية مصالحها في نطاق جغرافي متسع، دون أن تنجر إلى فخ الاستنزاف.
لكن هيهات هيهات، فما لم يدركه المتآمرون أن مصر ليست دولة هشة، وأن جيشها ليس ميليشيا، وأن شعبها لا يُلدغ من الفوضى مرتين، فقد واجهت الدولة هذا الإغراق بحسم محسوب، أعاد هيبة السلاح، وطهر الأرض من الإرهاب، وأمّن الحدود، دون أن تنزلق إلى فوضى مفتوحة أو استنزاف بلا أفق.
وفي الوقت ذاته، أدارت مصر تحركاتها في أفريقيا والبحر الأحمر بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة، فدعمت وحدة الدول الوطنية، ورفضت منطق فرض الأمر الواقع، وعززت حضورها السياسي والدبلوماسي في القارة الأفريقية، إدراكًا بأن أمن البحر الأحمر امتداد مباشر لأمنها القومي.
وقد أثبتت التجربة المصرية، أن أخطر ميادين الإغراق ليست الجبال ولا الصحاري، بل عقول الناس، ومن هنا، كانت معركة الوعي حاسمة، حين انحاز الشعب إلى دولته، ورفض دعاة الخراب، وأسقط رهانات الفوضى، ووقف صفًا واحدًا خلف قواته المسلحة وشرطته الوطنية.
فمصر ليست مجرد أرض، مصر إرادة لا تنكسر، وعزيمة لا تُقهر، من صحرائها الشاسعة إلى نيلها الخالد، ومن مدنها العتيقة إلى قراها الصغيرة، يسري في دماء شعبها وعي صلب، وإصرار لا يلين.
إن ما جرى ويجري اليوم يثبت أن الإغراق الأمني والعسكري لا يُهزم بالسلاح وحده، بل يُهزم بالوحدة، بالإيمان، وبقوة الإرادة الوطنية.
ويعلم القاصي والداني، أن مصر صمدت عبر العصور أمام الغزاة والمتآمرين، وحفظت كرامتها وعزتها على مر التاريخ، وكل محاولة لكسرها أو تطويقها تصطدم بصخرة الدولة العميقة وبإرادة شعب لا يعرف الاستسلام.
من قلب كل مصري ينبض حب الوطن، ومن عزيمة كل مواطن ينبعث صوت واحد يقول: مصر باقية، مصر حرة، مصر لا تُغرق.
وفي ختام هذا المشهد المليء بالتحديات، تبقى الحقيقة الأوضح أن الأوطان لا تُصان إلا بتماسك أهلها، ولا تُحمى إلا حين يلتف شعبها حول قيادته ومؤسسات دولته صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص.
إن اللحظة الراهنة تستدعي وعيًا أعمق، وثقة راسخة في الدولة، ودعمًا صريحًا للرئيس الذي يتحمل مسؤولية القيادة في زمن تتكاثر فيه العواصف.
نعم، بوحدتنا وإيماننا بمؤسساتنا، وبوقوفنا صفًا واحدًا خلف قواتنا المسلحة وشرطتنا الوطنية، نحفظ مصر قوية، آمنة، قادرة على عبور كل التحديات، كما فعلت دائمًا عبر تاريخها.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،









