يحتفل المسلمون بذكرى المولد النبوي الشريف، غدا، الذي يوافق يوم 12 ربيع الأول من كل عام، وحددت فتاوى دار الإفتاء حكم الاحتفال بالمولد النبوي وكذلك شراء حلوى المولد احتفالا بهذه المناسبة.
حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
وأوضحت دار الإفتاء أنه جرت عادة المسلمين في شهر ربيع الأول من كل عام بالاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، وذلك باجتماع الناس على الذكر والمدائح والطعام والقيام ونحو ذلك مما يُعدُّ فرحًا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمًا له، وسرورًا بيوم مجيئه الكريم، وإعلانًا لمحبَّته صلى الله عليه وآله وسلم، مضيفة أن الاحتفال في جملته شكرٌ لله تعالى على إكرامه لنا بالرحمة المهداة صلى الله عليه وآله وسلم، وكل هذا من الأمور المقطوع بمشروعيَّتها واستحبابها شرعًا.
وأكدت أن هناك فرق بين حكم الاحتفال وبين طريقة الاحتفال وسلوك المحتفلين، وهذا فرق عظيم ومسألة دقيقة يجب التنبه لها، موضحة أن حكم الاحتفال فهو جائز شرعًا بدليل القرآن والسُّنة وعمل المسلمين سلفًا وخلفًا، وأما طريقة الاحتفال وسلوك المحتفلين فهو أمر يختلف من شخص لآخر، فما وافق من ذلك مبادئ الشرع الشريف فلا حرج فيه وما خالف منه في ذلك فلا نجيزه، بل نقول بحُرمته، إذا عرفت ذلك، فلا ينبغي سحبُ حكم ما خالف الشرع من سلوك المحتفلين على حكم الاحتفال بذاته، وهذا خلط عظيم أوقع الناس في عنت ولبس خطير.
وأضافت، في فتوى سابقة لها، أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بصنوف الطاعات والعبادات في اليوم الذي وافق ميلاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أمرٌ مندوبٌ شرعًا، ويحصُل به الأجر والثواب.
وشددت على أن إظهار الفرح بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشراء الحلوى والتهادي بها جائز شرعًا، بل هو أمرٌ مستحبٌّ مندوبٌ إليه؛ لتعلقه بحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه، ولا يعد هذا من البدعة المذمومة ولا من الأصنام في شيء.
وقالت الإفتاء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سَنَّ لنا أصل شكر الله تعالى على ميلاده الشريف، فقد صحَّ أنه كان يصوم يوم الاثنين ويقول: «ذلكَ يَومٌ وُلِدتُ فيه» رواه مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، فهو شكر منه عليه الصلاة والسلام على مِنَّة الله تعالى عليه وعلى الأمة به، فالتأسي به صلى الله عليه وآله وسلم بشكر الله تعالى على مَنِّه وكَرَمه بنعمة وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأي مظهر من مظاهر الشكر، ومنها الإطعام والمديح والاجتماع للذكر والصيام والقيام وغير ذلك، لا يخرج عن أصل هذه السُّنَّة.
وتابعت: هذا الاحتفال منه صلى الله عليه وآله وسلم ومن الأمة من بعده إنما هو تطبيق عمليٌّ لما جاء به القرآن الكريم، في قول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]، ومِن أيام الله تعالى: أيامُ نصره لأنبيائه وأوليائه، وأيام مواليدهم، وأعظمُها قدرًا مولدُ سيدهم صلى الله عليه وسلم.
وأكدت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم فضل الله على البشرية، فالفرح به وبمولده فرحٌ بفضل الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الرحمةُ العظمى إلى الخلق كلهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “رحمتُه: مُحَمَّد صلى الله عليه وآله وسلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]” أخرجه سعيد بن منصور في “السنن” وأبو الشيخ في “تفسيره“.
وإذا كان الفرح بمولده الشريف صلى الله عليه وآله وسلم قد عاد نفعه على غير المسلمين، فحصول النفع بالفرح في حقِّ المسلمين أولى وآكد، ففي “صحيح البخاري” من طريق عُرْوَة بنِ الزُّبَيْر مجزُومًا به: قال عُرْوَةُ: “وثُوَيْبَةُ مَوْلاَةٌ لِأَبِي لَهَبٍ: كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ”، وأخرجه عبد الرزَّاق بسنده في “المصنف“.
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، فقال: «مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ؟» قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصام نوح وموسى شكرًا لله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ»، فأمر أصحابه بالصوم” أخرجه الإمام أحمد في “المسند”، وأبو الشيخ، وابن مردويه.
وإذا كان الاحتفال بيوم نجاة سيدنا نوح عليه السلام ويوم نصر سيدنا موسى عليه السلام مشروعًا فإن مشروعية الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم متحققة من باب أَوْلى.
حكم شراء حلوى المولد النبوي
ويندب إحياء هذه الذكرى بكافة مظاهر الفرح والسرور، وبكل طاعة يُتقرب بها إلى الله عز وجل، ويَدخُل في ذلك ما اعتاده الناسُ من شراء الحَلوى والتهادي بها في المولد الشريف؛ فرحًا منهم بمولده صلى الله عليه وآله وسلم، ومحبةً منهم لما كان يحبه؛ فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: “كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُحِبُّ الحَلْوَاءَ، وَيُحِبُّ العَسَلَ” رواه البخاري وأصحاب السنن وأحمد، فكان هذا الصنيعُ منهم سُنةً حسنة، كما أن التهادي أمر مطلوب في ذاته؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تَهَادوْا تَحَابوْا» رواه الإمام مالك في “الموطأ”، ولم يَقُمْ دليلٌ على المنع من القيام بهذا العمل أو إباحَتِه في وقت دون وقت، فإذا انضمت إلى ذلك المقاصد الصالحة الأخُرى؛ كَإدْخَالِ السُّرورِ على أهلِ البيت وصِلة الأرحامِ فإنه يُصبح مستحبًّا مندوبًا إليه، فإذا كان ذلك تعبيرًا عن الفرح بمولدِ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كان أشَدَّ مشروعيةً وندبًا واستحبابًا؛ لأنَّ “للوسائل أحكام المقاصد”.









