يحتفل الجامع الأزهر هذا العام بمرور 1086 عامًا على تأسيسه، مؤكداً مكانته كأحد أعظم المعالم الدينية والفنية في العالم الإسلامي، ومتحف حي للفنون والعمارة الإسلامية. ويجمع الأزهر بين العبق التاريخي وروعة التصميم المعماري، حيث تتناغم فيه الجماليات مع الوظيفة العملية، في صرح يعكس الهوية الثقافية والحضارية لمصر عبر العصور.
ويعد الأزهر أكثر من مجرد مسجد؛ فهو مدرسة ومكتبة ومركز علمي، يستقطب الطلاب من مختلف أنحاء العالم، ويجسد قيم الاعتدال والانفتاح على الثقافات والشعوب. وعند عبور باب المزينين، يطل الزائر على سلسلة من اللوحات المعمارية التي تمثل مدارس فنية متنوعة، تعكس تطور الفن الإسلامي من العصر الفاطمي إلى المملوكي. وتبرز المدرسة الأقبغاوية من خلال مكتبة الأزهر ومحرابها المزدان بالفسيفساء، بينما تتألق المدرسة الطيبرسية بزخارفها الدقيقة ونوافذها النحاسية البديعة، في حين تشهد مآذن قايتباي على براعة النحت الحجري في العصر المملوكي.
ويُرجّح أن سبب تسمية الجامع الأزهر جاء تيمناً بالسيدة فاطمة الزهراء، لما يحمله اللقب من دلالات روحية أراد الفاطميون ترسيخها عند تأسيس المسجد. وصُممت الأروقة والصحن المكشوف والمقصورات المدعمة بالعديد من الأعمدة الرخامية لاستيعاب آلاف المصلين وطلاب العلم في وقت واحد، ما يعكس فلسفة الدمج بين الجمال والوظيفة العملية في الوقت ذاته.
على مدار قرون، شكلت أروقة الأزهر بيتاً للوافدين من مختلف البلدان، حيث خصص لكل إقليم أو جنسية رواق مستقل، من بينهم الأتراك والمغاربة والشوام والجاوة والأكراد، ما جعله جسراً حضارياً بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. كما خصصت أروقة للمصريين وفق الأقاليم والمذاهب الفقهية الأربعة، ما يعكس منهج الوسطية والتعدد العلمي الذي تبناه الأزهر منذ نشأته.
ويُقام اليوم السابع من رمضان 1447 هـ احتفال رسمي بمناسبة مرور 1086 عامًا على تأسيس الجامع، برعاية فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، وبحضور قيادات الأزهر، من بينهم الدكتور محمد الضويني، والدكتور عباس شومان، والدكتور سلامة داوود. وتتضمن الفعاليات تلاوة قرآنية وفقرات إنشادية يقدمها طلاب الأزهر، تعكس الروح العلمية والثقافية التي تميز المؤسسة.
ويعود تأسيس الجامع إلى القائد جوهر الصقلي الذي وضع حجر الأساس عام 359 هـ، وتم افتتاحه في 7 رمضان 361 هـ ليصبح أول أثر فاطمي باقٍ في موقعه الأصلي. ومنذ ذلك الحين، واصل الأزهر نهضته العلمية والدعوية، مستقطباً طلاب العلم من أكثر من مئة دولة حول العالم، ليصبح رمزاً للاعتدال والحوار الحضاري بين الشعوب، وواجهة علمية تضم تخصصات متعددة تشمل العلوم الشرعية واللغوية والثقافية والفنية.
ويظل الجامع الأزهر مثالاً حياً على قدرة المؤسسات الإسلامية في الجمع بين التعليم، والدين، والفن، والتاريخ، في صرح واحد قادر على نقل رسالة حضارية عالمية. وتؤكد ذكرى التأسيس الـ1086 على استمرارية الأزهر في أداء رسالته التعليمية والدعوية، مع الحفاظ على التراث الفني والمعماري الذي يجعل منه وجهة سياحية وثقافية فريدة في قلب القاهرة التاريخية.








