مع دخول شهر رجب من كل عام، تتجدد في وجدان المسلمين ذكرى ليلة الإسراء والمعراج، تلك الليلة المباركة التي ارتبطت بأحد أعظم أحداث السيرة النبوية، وتحمل دلالات إيمانية وروحية عميقة. ويحرص المسلمون على معرفة موعد هذه الليلة، وحكم إحيائها، وأفضل الأعمال المستحبة فيها، خاصة أنها توافق المشهور عند جمهور العلماء ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، وهي ليلة لها مكانة خاصة في القلوب لما تحمله من معانٍ سامية ودروس عظيمة.
وتُعد رحلة الإسراء والمعراج معجزة إلهية خالدة، لا تخضع لمقاييس العقل البشري ولا لقوانين الزمان والمكان، بل تُقاس بقدرة الله المطلقة. ففي هذه الليلة، أُسري بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حيث صلى بالأنبياء إمامًا، في إشارة واضحة إلى مكانته وعموم رسالته. ثم عُرج به إلى السماوات العلا، فالتقى بالأنبياء واحدًا تلو الآخر، حتى بلغ سدرة المنتهى، وسمع صريف الأقلام، وهناك فُرضت الصلاة على الأمة، فكانت أعظم هدية إلهية، ودليلًا على علو شأن الصلاة وكونها الصلة الدائمة بين العبد وربه.
وحول حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، أكدت دار الإفتاء المصرية أن المشهور والمعتمد من أقوال العلماء سلفًا وخلفًا أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة السابع والعشرين من رجب، وأن إحياء هذه الذكرى بأنواع الطاعات والقربات أمر مشروع ومستحب، تعبيرًا عن الفرح برسول الله وتعظيمًا لمكانته. وأوضحت أن الآراء التي تحرّم الاحتفال بهذه المناسبة لا يُعوّل عليها، ولم يسبق إليها علماء معتبرون، مشددة على أن الفرح بمثل هذه المناسبات الدينية داخل في باب تعظيم شعائر الله.
أما عن الأدعية في هذه الليلة، فلم يرد دعاء مخصوص ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، غير أن الدعاء مشروع في كل وقت، ويُستحب الإكثار منه في أوقات الصفاء الروحي. ويقبل المسلمون في هذه الليلة على الدعاء بالمغفرة، وتفريج الكرب، وقضاء الحاجات، وسؤال الله الهداية والثبات، والإكثار من الصلاة على النبي، لما في ذلك من فضل عظيم وأثر طيب في القلوب.
ويؤكد العلماء أن أفضل الأعمال المستحبة في ليلة الإسراء والمعراج تتمثل في المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، والإكثار من النوافل وقيام الليل، إلى جانب الذكر والاستغفار وقراءة القرآن، خاصة سور الإسراء والنجم والشرح، لما تحمله من معانٍ مرتبطة بهذه المناسبة. كما تُعد الليلة فرصة صادقة لمراجعة النفس، وتجديد التوبة، والعودة إلى الله بقلب خاشع ونية صادقة.
وتحمل ليلة الإسراء والمعراج العديد من الحكم والعبر، أبرزها تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد عام مليء بالأحزان، والتأكيد على مكانة المسجد الأقصى في عقيدة المسلمين، وبيان عظمة الصلاة، والتذكير بأن الفرج يأتي بعد الشدة. وتبقى هذه الليلة دعوة مفتوحة لكل مسلم للارتقاء بروحه، والتمسك بالصلاة، والاقتداء برسول الله في الصبر والثبات وحسن التوكل على الله.



