تناول اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية السابق، في مقاله اليوم بموقع الاتجاه، كيف يتحول تهميش المواطن إلى خطر على الكيان الوطني. ويطرح رؤية شاملة لأهمية التجييش الشعبي الواعي كضرورة وجودية لمواجهة التحديات التي تحيط بمصر داخليًا وخارجيًا. إنها دعوة لإع/ادة الاعتبار لدور الشعب، وتحويله من متلقٍ إلى شريك فاعل في صياغة المستقبل..
وإلى نص المقال
التهميش في اللغة مأخوذ من “الهامِش”، والهامش هو، الطرف أو الجانب من الشيء، كأن تقول: هامش الصفحة أي طرفها، والهمَش من الناس: هم الضعفاء أو من ليس لهم مكانة أو تأثير.
والتهميش اصطلاحًا، يعني إقصاء فرد أو مجموعة من المشاركة الفاعلة في المجتمع، أو في صنع القرار، أو في الاستفادة من الموارد والحقوق، ويُشير إلى نزع الاعتبار أو الأهمية من أشخاص أو أفكار أو قضايا، ووضعهم في موقع ثانوي أو غير مرئي.
بينما التجييش في اللغة، يعني جمع الجيش وتهيئته للحرب، وجيَّش الناس، أي حرّكهم ودفعهم إلى القتال أو المواجهة، المعنى الأساسي، هو تحشيدُ الناس وتنظيمهم لغرض معين، وغالبًا ما يكون هذا الغرض الصراع أو القتال.
وفي الاصطلاح، التجييش يُستخدم بشكل أوسع من المعنى الحربي فقط، ليشمل، تحريك المشاعر أو تعبئة الجماهير باتجاه معين، سواء كان سياسيًا، دينيًا، قوميًّا، أو أيديولوجيًّا، غالبًا ما يُستخدم بمعنى التحريض أو التحشيد الجماهيري ضد طرف أو فكرة ما.
أما الحديث عن المصريين، فليس حديثًا عن شعب عابر في الزمان، ولا عن أمة تستهلك ماضيها دون أن تنتج حاضرها، فالمصريون الذين شيّدوا أولى الحضارات، هم أنفسهم الذين يخوضون اليوم معركة جديدة، معركة الوجود بكل أبعاده الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية.
وإذا كان التاريخ قد حفظ للمصريين مقام الريادة، فإن الواقع يُلقي على عاتقهم عبئًا كبيرًا، أن يصطفوا صفًا واحدًا، لا أن يتفرقوا، وأن يُجَيَّشوا لا أن يُهَمَّشوا، وأن يتحولوا من حالة التلقي إلى حالة المبادرة، في وطن تحيط به التحديات.
المصريون ليسوا شعبًا هامشيًا في تاريخ الإنسانية، بل هم في القلب من التكوين الحضاري البشري، لقد بنوا الدولة حين كانت الفوضى تحكم، وهذا هو جوهرهم التاريخي، فإن تهميشهم سياسيًا، أو اقتصاديًا، أو مجتمعيًا، خطر على الكيان الوطني نفسه، فحين يُقصى الشعب عن الفعل، يُفرَّغ الوطن من قوته الحقيقية.
الواقع يحكم: لا خيار إلا التجييش
لم يعد التحدي في مصر مجرد أزمة اقتصادية، أو تراجع سياسي، أو اختلال اجتماعي، التحدي اليوم هو تحدي وجودي، يهدد الكيان المصري من أساسه، فالاقتصاد يعاني من أعباء ثقيلة، والمجتمع يتأرجح بين الطبقات، والمشهد الإقليمي مضطرب يضغط على الهوية والدور والمكانة.
ويأخذ التهميش عدة أشكال (تهميش سياسي، حين يُمنع المواطن من المشاركة الحقيقية في القرار – تهميش اقتصادي، حين تُركز الثروة في يد القلة، ويُحرم السواد الأعظم من فرص عادلة – تهميش اجتماعي وجغرافي، حين تُهمل قرى كاملة، ويُنسى الصعيد، وسيناء في خطط التنمية – تهميش ثقافي وفكري، حين يُقصى المثقف الحقيقي، ويُستبدل بالسطحي والمُوجَّه)
وذلك التصنيف ليس ظاهرة حديثة، بل نتاج تراكمات لقرون، تعاقبت فيها أنظمة تُفضّل السيطرة على المشاركة، وتُغلق الباب في وجه الشعب الذي هو جوهر الدولة ذاتها.
ولعل اتخاذ الحكومة المصرية لقرارات مصيرية، دون محاولة شرح أسبابها أو نتائجها للشعب، يعكس نمطًا من التهميش المتعمد للمواطن، ويطرح تساؤلات جوهرية حول غياب الشفافية، وضعف إشراك المجتمع في صياغة المستقبل.
حين تُتخذ قرارات كرفع الدعم، أو تعويم الجنيه، أو حتى بيع الصكوك السيادية – التي تعني رهن أصول الدولة أو الانتفاع بعوائدها لأطراف خارجية – دون نقاش عام أو توضيح للجدوى والمخاطر، يترك المواطن في حيرة وقلق مشروع.
إن هذه القرارات تُمرّر وكأن الشعب لا يعنيه الأمر، وكأن تفاصيل الوطن لم تعد من حقه، بل شأنًا محجوزًا للنخبة، هذا الإقصاء من دائرة الفهم والمشاركة، لا يُضعف فقط الثقة في السلطة، بل يزرع شعورًا عميقًا بالغربة داخل الوطن، ويحوّل العلاقة بين الدولة ومواطنيها من شراكة قائمة على المسؤولية، إلى وصاية قائمة على الإملاء.
ومن أكثر الأشياء استفزازًا للرأي العام، وترسيخًا للشعور بالتهميش، استمرار بعض عناصر السلطة التنفيذية بمناصبهم الوزارية، بالرغم من عدم تحقيقهم ثمة نجاحات تُذكر، ويفتقدون للحس السياسي والقبول الشعبي، وعلى شاكلتهم بعض الوجوه الإعلامية السمجة، ذوي المناهج والإطلالة الممجوجة.
أما عمن يُطلق عليهم النخب السياسية، فحدث ولا حرج، كثير منهم لا يمتلكون أي حاضنة شعبية، ولا ظهير شعبوي حقيقي، إلا بعض المأجورين وسماسرة الأصوات الانتخابية، وكل مقوماتهم تتمثل في كونهم آلات ATM ليس إلا، ورغمًا عن ذلك، يقتحمون علينا المشهد كمرشحين مؤكدين للمجالس النيابية.
ذلك جزء يسير من كل كبير، من العوامل المرسخة للشعور بالتهميش لدى قطاع عريض من الشعب المصري، عالي الهمة والنزعة الوطنية.
في هذا السياق، يصبح التجييش الشعبي ضرورة وطنية، تتعلق بتعبئة الوعي، وتحريك الهمم، واستنهاض الروح الجماعية، تمامًا كما تفعل الأمم حين تشعر أن بقاءها ذاته على المحك.
المعركة الأساسية التي يجب أن تُخاض ليست فقط مع الفقر أو التضخم، بل مع اللامبالاة، مع استسلام العقل المصري لفكرة أن لا شيء سيتغير، لهذا، فإن التجييش الحقيقي يبدأ من خلال (إعلام مسؤول يزرع الوعي لا الخوف – مناهج تعليمية تُحيي الانتماء لا الحفظ الأجوف – قيادات سياسية، ومجتمعية واعية متمرسة، تُقرّب الشعب من القرار لا تُقصيه عنه).
إن التجييش الحقيقي لا يصنعه الصوت المرتفع، بل التنظيم الهادئ، والوعي العميق، والعدالة المنظورة، هو استدعاء جماعي للعقل والضمير والفعل، لمواجهة خطرٍ داهم، أو بناء مشروع وطني جامع.
وإذا كان التاريخ قد علّمنا أن الشعوب تنهض حين تتوحد، فإن الواقع يفرض علينا اليوم أن نُحسن إدارة التجييش، لا كأداة طارئة، بل كمنهج دائم لاستكمال بناء الوطن من الداخل، لا بالدفع القسري، بل بالإقناع والإشراك والتمكين.









