عقد مركز إيجيبشن إنتربرايز للسياسات والدراسات الاستراتيجية، في إطار برنامج دراسات السودان والقرن الإفريقي ومجموعة عمل الدراسات الإفريقية، ورشة عمل تخصصية، الأربعاء، بعنوان «مستقبل الحرب في السودان وتداعياتها الإقليمية»، بمشاركة نخبة من الدبلوماسيين والخبراء والأكاديميين من مصر والسودان.
وجاءت الورشة في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تجاوز الأزمة السودانية حاجز الألف يوم، وما صاحب ذلك من تحوّل الصراع من مواجهة عسكرية داخلية إلى أزمة دولة شاملة تهدد بنية المؤسسات الوطنية والنسيج الاجتماعي، في ظل تصاعد التدخلات الإقليمية والدولية.
ثوابت الرؤية المصرية
في كلمته الافتتاحية، أكد محمد عبد الحليم، مدير مركز إيجيبشن إنتربرايز، أن المقاربة المصرية تجاه الأزمة السودانية تنطلق من ثوابت راسخة، في مقدمتها وحدة السودان وسلامة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية، مشددًا على أن استقرار السودان يمثل عمقًا استراتيجيًا وجوديًا للأمن القومي المصري، وركيزة أساسية لاستقرار الإقليم والقرن الأفريقي.
وتولت الكاتبة الصحفية، سمر إبراهيم، مسؤول برنامج دراسات السودان والقرن الإفريقي بالمركز، إدارة الجلسة الافتتاحية، مؤكدة أن الورشة تهدف إلى تجاوز مرحلة توصيف الأزمة، والانتقال نحو طرح مقاربات تحليلية وتوصيات عملية تسهم في بلورة مسارات واقعية لإنهاء الصراع.
المبادرة المصرية ومسارات الحل
وخلال الجلسة الأولى، استعرض السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، ملامح المبادرة المصرية، موضحًا أنها تختلف عن المسارات الدولية التقليدية التي تركز على وقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية فقط، إذ تقوم على أربعة مسارات متوازية: الأمني، الإنساني، السياسي، وإعادة بناء الدولة.
وأشار إلى نجاح القاهرة في التأثير على توجهات بعض أطراف الرباعية الدولية، لترسيخ أولوية المسار السياسي، مؤكدًا رفض مصر القاطع لأي محاولات لشرعنة كيانات موازية أو إنشاء حكومات بديلة من شأنها تفكيك الدولة السودانية.
الأزمة البنيوية وفشل الدولة
من جانبها، قدمت الدكتورة أماني الطويل، مدير البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، قراءة نقدية اعتبرت فيها أن الحرب تمثل انفجارًا لأزمة بنيوية ممتدة تعكس فشل الدولة في إدارة الهوية والمواطنة منذ الاستقلال.
ودعت إلى تطوير الخطاب الإقليمي تجاه السودان، ليشمل نقاش شكل الدولة ونموذج الحكم، وليس الاكتفاء بالشعارات العامة حول وحدة الأراضي، مؤكدة أن أي مسار سياسي لا بد أن يسبقه فك ارتباط كامل بين القوى المدنية وأي أذرع عسكرية.
السودان في قلب التحولات الجيوسياسية
بدوره، ربط اللواء الدكتور أحمد النحاس، الخبير الاستراتيجي ورئيس الهيئة الاستشارية بالمركز، بين الحرب في السودان وتفاعلات إقليمية أوسع تشمل أزمات غزة واليمن وأمن البحر الأحمر، محذرًا من محاولات إعادة هندسة الإقليم عبر إبقاء السودان في حالة عدم استقرار مزمن.
وأشار إلى أن قوة الدعم السريع ترتبط بتدفقات مالية ولوجستية عابرة للحدود، داعيًا إلى تجفيف هذه الموارد، إلى جانب تفعيل العلاقات الاقتصادية المصرية–السودانية كأداة دعم سياسي وإنساني للدولة السودانية.
سيناريوهات الحرب والمشهد الإقليمي
وفي مداخلة استشرافية، أكد الدكتور رمضان قرني، خبير الشؤون الأفريقية والمشرف العام على مجموعة عمل الدراسات الأفريقية، أن المشهد السوداني يتسم بسيولة عالية وتآكل القدرة على التنبؤ، مرجحًا سيناريو استمرار الصراع طويل الأمد على غرار النموذج الليبي.
وأشار إلى تداخل جبهات الصراع في الإقليم، محذرًا من استخدام موانئ ومناطق خارج السودان كنقاط إمداد لوجستي، وتأثير ذلك على أمن البحر الأحمر، مع الإشارة إلى تشكل أحلاف إقليمية جديدة تضم مصر والسعودية وتركيا لمواجهة التحديات الناشئة.
المقاربة السودانية: أزمة دولة لا صراع سلطة
وفي الجلسة الثانية، أكد السفير الدكتور علي يوسف، وزير الخارجية السوداني الأسبق، أن الحرب تتجاوز كونها صراعًا محليًا على السلطة، لتصبح أداة في صراع إقليمي دولي على الموارد والتموضع الاستراتيجي، معتبرًا أن استهداف السودان يمثل تهديدًا غير مباشر للأمن المصري.
فيما قدم الدكتور نبيل أديب قراءة قانونية اعتبر فيها أن الأزمة ناتجة عن قرارات سيادية سابقة بخلق قوى عسكرية موازية، داعيًا لاعتماد مبادئ فوق دستورية تحمي الدولة من تقلبات الصراع السياسي.
وأكد المهندس صديق صادق المهدي أن الحل الجذري يمر عبر الفصل الصارم بين العمل السياسي والمؤسسة العسكرية، بينما شدد الكاتب المحبوب عبد السلام على خطورة الحرب الإعلامية وتأثيرها على النسيج الاجتماعي، داعيًا إلى رعاية مصرية أكثر فاعلية لمسارات الحل.
توصيات ختامية
وخلصت الورشة إلى أن الحل العسكري يمثل طريقًا مسدودًا، وأن استعادة الدولة السودانية تتطلب الاتفاق على مبادئ فوق دستورية غير قابلة للمساومة، وفك الارتباط بين السلاح والعمل السياسي، مع تفعيل الرباعية الدولية برؤية إقليمية تقودها مصر، مع دعم قدرة الجيش السوداني على استعادة المبادأة الميدانية كشرط لأي حوار سياسي جاد.
وأكد المشاركون أن السودان يمر بلحظة تحول تاريخية، وأن الحفاظ على الدولة الوطنية يتطلب مزيجًا من الضغط الدبلوماسي، والدعم الإقليمي المنضبط، ومسار سياسي يعيد الاعتبار للهوية القومية والمؤسسات الشرعية.







