حوار: خالد فؤاد
تقف سوريا على حافة منعطفٍ جديد لا يقلّ خطورةً عن عام 2011، بين نظامٍ يترنّح تحت وطأة تراجع شعبيته واتساع فجوة الثقة مع الشارع، وجماعاتٍ مسلّحة باتت مصدر شرعيته ودرعه الواقي في آنٍ واحد.
تقول الدكتورة ليلى موسى، الممثلة لمجلس سوريا الديمقراطية في القاهرة، في حوارٍ خاص مع «الاتجاه»، إن رفض الرئيس السوري تسليم الإرهابيين المطلوبين لمصر ليس قرارًا سياديًا بقدر ما هو “خوف من انهيار توازن القوى” الذي يقوم عليه حكمه.
وترى موسى أن تركيا تتحرك بخطى ثابتة لفرض وصايتها الكاملة على الشمال السوري، في وقتٍ تتراجع فيه إيران ميدانيًا بينما تتمسك روسيا بموطئ قدمٍ عسكري داخل الأراضي السورية.
وفي خضمّ هذه التشابكات، قدّمت موسى — وهي ناشطة بارزة في ملفات الحكم المحلي وحقوق المرأة — في كتابها الأخير «اللامركزية وبناء مستقبل سوريا» طرحًا يعتبره كثيرون من أكثر المشاريع واقعيةً للخروج من مأزق الصراع السوري؛ إذ دعت فيه إلى تبنّي نموذجٍ لامركزي يضمن مشاركة جميع المكوّنات، ويمنع عودة الاستبداد أو انزلاق البلاد نحو التقسيم الدائم.
وبين مشروع موسى لبناء سوريا اللامركزية واحتمالات عودة الانتفاضة الشعبية، يبقى السؤال الأهم: هل ما زالت الدولة السورية قادرة على إعادة إنتاج نفسها… أم أن البلاد مقبلةٌ على جولةٍ جديدة من الانفجار الشعبي؟
في هذا الحوار، نتناول مع الدكتورة ليلى موسى أبرز رؤاها حول الوضع الراهن في غزة وسوريا، وموقفها من القوى الإقليمية والدولية، وقراءةً لمآلات التدخلات التركية، وملامح العلاقات المصرية–السورية، إضافةً إلى رؤيتها لمستقبل البلاد على ضوء مشروع اللامركزية الذي تتبناه.
أبرز تصريحات موسى
تركيا تنفذ مشروع «الميثاق الملي» لتوسيع نفوذها في الشمال السوري
روسيا تتمسك بوجودها العسكري وإيران تتراجع ميدانيًا لكنها لم تخرج من اللعبة بعد
مشروع اللامركزية الحل الواقعي للخلاص من الاستبداد والانقسام
الرئيس السوري يرفض تسليم الإرهابيين لمصر خوفًا من الانقلاب عليه
الأرض مهيأة لانفجارٍ جديد في سوريا إذا استمر الإقصاء والتهميش
النظام السوري يكرر أخطاء الأسد ويحكم بسياسات الإقصاء والتفرد
لا إرادة حقيقية لدى النظام السوري للتحول الديمقراطي
استقدام مقاتلين أجانب للجيش السوري جريمة تمس السيادة الوطنية
الهوية السورية عصية على الطمس رغم مشاريع التشييع والتتريك
المرأة السورية دفعت الثمن الأكبر لكنها ستكون ركيزة إعادة البناء
وإلى نص الحوار:
كيف تنظرون إلى اللامركزية كخيار لبناء مستقبل سلمي لسوريا؟ وهل هو خيار قابل للتطبيق حالياً؟
لطالما شكّل نظام الحكم في سوريا، القائم على المركزية الشديدة، أحد العوامل الرئيسية التي أدّت إلى انفجار الأزمة السورية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى البحث عن خيارات بديلة تعالج تداعيات هذا النظام، وتسهم في تحقيق الحوكمة الرشيدة، والتنمية المستدامة، وترسيخ المواطنة الحقيقية.
ويُعدّ نظام الحكم اللامركزي أبرز هذه البدائل، خاصةً أنه أثبت نجاحه في العديد من التجارب حول العالم، حيث قدّمت بعض الدول نماذج ناجحة لدول متقدمة اعتمدت اللامركزية كخيار استراتيجي. إلى جانب ذلك، هناك نموذج محلي ممثّل في تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، التي رغم التحديات والظروف الاستثنائية التي نشأت فيها، أثبتت نجاحها واستمرارها.
وقد بدأت تتعالى الأصوات داخل المجتمع السوري، من مختلف أطيافه، مطالبةً باعتماد اللامركزية كخيار لا بد منه، بل كضرورة حتمية لتجاوز المشكلات والأزمات التي يعاني منها المجتمع السوري.
ما الخطوات العملية المطلوبة لتطبيق لامركزية فعّالة (تشريعات، آليات رقابة، تمويل، عودة النازحين)؟
جميع ما تم ذكره من إجراءات هي خطوات لاحقة يمكن تنفيذها، لكن الخطوة الأولى والأساسية هي وجود إرادة حقيقية مؤمنة بالتحول والتغيير، وبالديمقراطية، وقبول الآخر، والتشاركية في إدارة البلاد.
وتبدأ هذه العملية من خلال عقد حوار سوري–سوري، يشارك فيه الجميع دون استثناء، وينتج عنه توصيات واضحة، وتشكيل لجان تتولى صياغة دستور وطني يُعبّر عن الإرادة السورية الخالصة.
وبناءً على هذا الدستور، الذي يُحدد بنية نظام الحكم، يمكن الشروع في اتخاذ باقي الإجراءات اللازمة لتحقيق الانتقال السياسي المنشود.
كيف تضمنون أن اللامركزية لن تتحول إلى تفتيت أو تقسيم للوطن السوري؟ وما آليات الضمان المقترحة؟
تُعدّ حالة التكامل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) أمرًا أساسيًا لنجاح أي نظام حكم. إذ تقع على عاتق السلطة التشريعية مهمة صياغة دستور واضح وصريح، ينص في مواده على تبني اللامركزية بجميع أبعادها. أما السلطة التنفيذية، فعليها الالتزام بتطبيق هذه التشريعات، في ظل وجود آليات رقابة فعالة تضمن المتابعة والمحاسبة.
وفي هذا السياق، أود الإشارة إلى نقطة استراتيجية تتمثل في أهمية الوعي والمعرفة بطبيعة نظام الحكم. إذ لا يمكن تحقيق أي تحول فعّال دون تمكين مجتمعي واسع يعزز الفهم ويعمّق المشاركة الشعبية في العملية السياسية.
وهل ترون أن النظام القائم في سوريا لديه رغبة حقيقية في التحول الديمقراطي وتطبيق اللامركزية؟
بحسب المعطيات الحالية، لا يبدو أن هناك أي توجه حقيقي نحو التحول الديمقراطي أو تطبيق اللامركزية. بل على العكس، يسعى النظام إلى فرض الأمر الواقع، والتفرد بالسلطة والقرار، في محاولة لكسب الوقت وبسط سيطرته الكاملة على سوريا. هناك حالة من التناقض يعيشها النظام، هدفها الأساسي الاستمرارية والبقاء في الحكم، وليس الإصلاح أو الانفتاح السياسي.
كيف تصفون آخر التطورات في الملف السوري من منظور قوات سوريا الديمقراطية؟ وأين تتركز الأزمات اليوم؟
ما زال الملف السوري محفوفًا بالعديد من الإشكاليات والتحديات والعقبات، سواء تلك المرتبطة بالعامل الداخلي، أو تلك المرتبطة بالعامل الخارجي، من خلال التدخلات الإقليمية والدولية وتدويل القضية السورية وربطها بملفات سياسية خارجية.
ونعتقد أن جوهر الأزمة يكمن أساسًا في السياسات والتوجهات التي تتبعها الحكومة الانتقالية، من خلال اعتمادها أسلوب الفرض والإقصاء، وإصرارها على تكرار نهج النظام السابق الذي ثبت فشله، بدلًا من تبني رؤية وطنية شاملة تُعبّر عن تطلعات الشعب السوري بكافة مكوناته.
برأيكم، هل استطاع الشعب السوري الحفاظ على هويته الوطنية رغم التدخلات الإقليمية وصعود النظام الجديد؟
لا يمكن إنكار عمليات التغيير الديمغرافي التي طالما عانى منها المجتمع السوري، سواء من الجانب الإيراني عبر عمليات التشييع، أو من الجانب التركي من خلال سياسات التتريك الممنهجة. يُضاف إلى ذلك الدور الذي لعبته التنظيمات الإسلاموية المتطرفة في فرض أيديولوجياتها المتشددة على المجتمع. وحتى خلال عهد حزب البعث.
ومع ذلك، تبقى الهوية السورية، بجذورها الضاربة في عمق التاريخ والحضارة، عصية على الطمس أو الإلغاء. فهي هوية راسخة لا يمكن صهرها أو القضاء عليها.
لذا، فإن النضال والمقاومة من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية السورية الجامعة، بكل ما تتضمنه من هويات فرعية، يُعدّ واجبًا لا مثيل له، ومسؤولية وطنية منقطعة النظير.
ما فرص التهدئة أو التفاهم بين قوات سوريا الديمقراطية والنظام السوري؟
بقناعتي، الإمكانيات والفرص والأرضية متوفرة، وكل ما نحتاجه هو وجود إرادة حقيقية مؤمنة بعملية التحول والتغيير، وبقيم الديمقراطية والتشاركية من قبل الحكومة الانتقالية.
كيف تنظرون إلى الدور التركي في شمال سوريا؟ وما انعكاساته على المشهد الأمني والسياسي؟
منذ بداية الحراك الثوري في سوريا، استثمرت تركيا حالة الانهيار السياسي والأمني التي شهدتها البلاد بهدف تحقيق أهداف توسعية تتماشى مع رؤيتها الاستراتيجية في المنطقة. يتجلى هذا المشروع التوسعي في مفهوم “الميثاق الملّي” وفقًا للأدبيات التركية، والذي يطالب بضم ما يُعرف بـ”ولاية حلب”، وهي منطقة تضم كامل الشمال السوري. هذا الطموح يعكس سعي أنقرة لإعادة رسم الحدود الجغرافية والسياسية لصالحها، مستغلة ضعف الدولة السورية وعدم استقرارها.
سخرت تركيا كافة الموارد والإمكانيات، بما في ذلك الدعم المباشر وغير المباشر للتنظيمات الإسلاموية المتطرفة، والتي استخدمتها كأداة ضغط واستنزاف للقوى المحلية، مما أضعف الموقف السوري الداخلي وعرقل جهود الحل السياسي. هذا الدعم لم يكن مجرد تحالف تكتيكي، بل شكل جزءًا أساسيًا من استراتيجية أنقرة لفرض نفوذها عبر أدوات غير رسمية تتماشى مع أهدافها التوسعية. وبعد 8 ديسمبر تسعى تركية الى فرض الوصاية الكاملة على سوريا ومصادرة قرارها.
علاوة على ذلك، تحولت سوريا إلى مسرح لصراعات إقليمية ودولية، حيث استخدمت تركيا هذا الفضاء الجغرافي كورقة للمساومة والمقايضة، وأحيانًا كمنصة لتصفية حساباتها مع خصومها الإقليميين إسرائيل على سبيل المثال مؤخراً. هذه الديناميكية المعقدة، التي تجمع بين المصالح التوسعية والحسابات الأمنية، زادت من تعقيد الأزمة السورية وأعاقت أي جهود حقيقية لتحقيق الاستقرار أو تسوية سياسية شاملة.
وفي الحقيقة، النظام عاجز عن مواجهة الأطماع التركية، لعدة أسباب منها لا يملك أدوات الرد أو القدرة على حماية سيادته بشكل فعّال في ظل أزماته الداخلية الخانقة. إلى جانب حاجته لدعم إقليمي (الشرعنة) توفره الجانب التركي.
هل تراجع النفوذ الإيراني في سوريا أم ما زال قائماً؟ وكيف يؤثر على الاستقرار الداخلي؟
رغم تراجع النفوذ بعد تاريخ 8 ديسمبر، لا يمكن الجزم بانتهائه بالكامل، إذ لا تزال أسباب العودة قائمة، خاصة في ظل استمرار التحريض الطائفي، وتصاعد خطاب الكراهية، وسياسات الإقصاء والتهميش. هذه العوامل تشكل بيئة خصبة لإعادة إنتاج النفوذ ذاته بأشكال مختلفة، سواء عبر أدوات محلية أو إقليمية.
ومن المؤكد أن جميع المشاريع التوسعية العابرة للحدود، بما فيها المشروع الشيعي، تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن سوريا واستقرارها، كما تُعد خطرًا على هويتها الوطنية الجامعة. فغياب مشروع وطني جامع ومشاركة شاملة في الحكم يفتح الباب أمام قوى خارجية لتوظيف الانقسامات الداخلية، وتغذية النزاعات الطائفية والمناطقية بما يخدم مصالحها على حساب المصلحة الوطنية السورية.
هناك من ينتقد الجيش السوري لانضمام مجموعات مسلحة أخرى إلى صفوفه. كيف تقيمون هذه الانتقادات؟
تُعد مسألة تشكيل الجيوش الوطنية من القضايا الجوهرية في بناء الدولة الحديثة، إذ تقوم هذه الجيوش عادة على تجنيد أبناء الوطن وفق عقيدة عسكرية وطنية محضة، تستند إلى مبادئ السيادة، ووحدة الأرض، والانتماء للدولة، وليس على أساس الانتماءات الفئوية أو الأيديولوجية. فكلما ابتعد الجيش عن هذه المبادئ، زادت احتمالات تحوّله إلى أداة صراع داخلي بدلًا من أن يكون ضامنًا للاستقرار وحاميًا للوطن.
في الحالة السورية، تثير محاولات تجنيد عناصر أجنبية — لا سيما من جماعات متطرفة مصنفة على لوائح الإرهاب — قلقًا واسعًا في الشارع السوري. هذه المخاوف ليست مجرد هواجس شعبية، بل تستند إلى معطيات واقعية تشير إلى التغلغل الأجنبي داخل بعض التشكيلات المسلحة، مما يهدد بشكل مباشر هوية الجيش ومستقبله.
من الناحية السياسية، يُنظر إلى إدخال عناصر أجنبية في أي تشكيل عسكري وطني على أنه مساس خطير بالسيادة الوطنية، وتفكيك لمنظومة القرار المستقل للدولة. ذلك أن ارتباط هذه العناصر بأجندات إقليمية أو دولية يجعلها أداة لتنفيذ مصالح خارجية، على حساب المصلحة الوطنية السورية.
أما من الناحية القانونية، فإن القانون الدولي الإنساني، وخصوصًا اتفاقيات جنيف، يُدين بشدة تجنيد المرتزقة أو العناصر غير الوطنية في النزاعات المسلحة، ويُصنّف هذه الممارسة كجريمة تمس سيادة الدول وتُقوّض شرعيتها. كما أن ميثاق الأمم المتحدة يكرّس حق الشعوب في تقرير مصيرها دون تدخل أجنبي، وهو ما يتنافى تمامًا مع ظاهرة التجنيد العابر للحدود.
أمنيًا ومجتمعيًا، يؤدي هذا النوع من التجنيد إلى تفكك النسيج الوطني، وتعميق الانقسامات الطائفية والعرقية، بما يهدد الهوية الوطنية الجامعة التي بُنيت عبر قرون من التعايش. كما يزرع حالة من عدم الثقة بين مكونات المجتمع، ويحول دون بناء جيش موحّد يتمتع بقبول شعبي عام.
من هنا، فإن بناء جيش وطني حقيقي لا يمكن أن يتم بمعزل عن مشروع سياسي جامع، يضمن التمثيل العادل، والشفافية، والمساءلة، ويقطع الطريق أمام أي محاولات خارجية لاختراق المؤسسات السيادية للدولة السورية، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.
وما تفسيركم لرفض الرئيس السوري التعاون مع مصر في ملف الجماعات الإرهابية وتسليم العناصر المطلوبة أمنيًا ؟
الرئيس السوري يستمد قوته وشرعيته من تلك الجماعات المسلحة (مؤتمر النصر)، ولذلك لا يستطيع الانقلاب عليهم أو تسليمهم. هو يحاول أن يوازن بين القوى المختلفة داخل مناطق سيطرته، لكن تسليم المطلوبين لمصر سيكون بمثابة إعلان فقدان الثقة بينه وبين العناصر الأجنبية المنضوية تحت لوائه. فالكثير من مقاتليه من جنسيات متعددة، وإذا أقدم على تسليم بعضهم، سيخسر دعم البقية ويعرض نفسه لانقسام داخلي خطير تحسباً لأية عملية انقلاب عليه.
ما أبرز التحديات التي تواجه سوريا اليوم (سياسية، اقتصادية، أمنية أو اجتماعية)؟ وأيها يمكن التعامل معه محلياً وأيها يتطلب دعماً خارجياً؟
يُعد التحدي السياسي هو التحدي الأساسي في المرحلة الراهنة. وبرأيي، فإن تجاوز هذا التحدي يبدأ بحوار سوري–سوري جامع يضم جميع مكونات المجتمع دون استثناء.
هذا الحوار سيكون نقطة الانطلاق لتجاوز بقية التحديات والعقبات، إذ لا يمكن الحديث عن الأمن، أو التنمية، أو الحوكمة الرشيدة، أو حتى عن لحمة وطنية مجتمعية متماسكة، بمعزل عن توافقات سياسية شاملة، وعملية انتقال سياسي حقيقي تشمل الجميع دون إقصاء.
هل تعتقدون أن سوريا مهددة بانفجار جديد أو ثورة شعبية؟ وما العوامل التي قد تؤدي إلى ذلك أو تمنعه؟
سيناريو انفجارٍ جديد واردٌ بدرجة كبيرة جدًا. فالأرضية مهيأة في ظل سياسات أحادية الجانب وذات اللون الواحد، والتعمد في ممارسة الإقصاء والتهميش لمطالب مكونات الشعب السوري. وتفاقم الأوضاع الاقتصادية الهشة، والانتهاكات اليومية التي تتعرض لها فئات المجتمع بمختلف انتماءاتهم العرقية والدينية، وتصاعد التحريض وثقافة الكراهية، إضافةً إلى هشاشة الأوضاع الأمنية، والتدخلات الخارجية—ومساعي بعض الدول، مثل تركيا، لفرض وصايتها ومصادرة القرار السوري—فضلاً عن تحكّم بعض الفصائل المتطرّفة في المؤسسة العسكرية؛ كلّها عوامل قد تدفع الشارع إلى الانتفاض مجددًا إذا لم تُدرك وتُعالَج بسرعة وبحزم .
وفي رأيك، هل لا يزال النظام السوري يتمتع بحاضنة شعبية داخل البلاد؟
في تقديري، شعبية النظام تتراجع يومًا بعد يوم، خصوصًا بعد أحداث السويداء الأخيرة. لم يعد له دعم شعبي حقيقي سوى من بعض الفئات المستفيدة من بقائه في السلطة. أما الغالبية من الشعب السوري، فهي اليوم في حالة غضب واحتقان متزايد، وهو ما قد يمهّد لاندلاع انتفاضة شعبية جديدة ضد النظام، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف البنية التحتية وغياب الموارد المالية.
وهل يمكن أن تنجح ثورة جديدة إذا ما اندلعت ضد النظام؟
نعم، هذا وارد جدًا. فالنظام ما زال متمسكًا بسياسة الصوت الواحد وفرض الديكتاتورية الكاملة، في وقتٍ تزداد فيه نقمة الشارع السوري. ومع استمرار محاولاته للسيطرة على كامل الأراضي السورية دون أي إصلاح سياسي، تزداد احتمالية أن ينفجر الوضع من الداخل. الظروف اليوم مهيأة أكثر من أي وقت مضى لنجاح انتفاضة حقيقية.
كثيراً ما يُطرح الحديث عن النفوذين الروسي والإيراني داخل سوريا. كيف تتعاملون مع هذا التوازن المعقد؟
من جانبنا، نحن منفتحون على الحوار والتعاون والتنسيق مع جميع الأطراف والقوى، سواء الإقليمية أو الدولية، على أساس علاقات حسن الجوار والمصلحة المشتركة.
بالنسبة لإيران وروسيا، فقد عملتا معًا حتى وقت قريب ضمن محور أستانا، وكانتا داعمتين بقوة لنظام الأسد. وبعد 8 ديسمبر، شهدت موازين القوة تغيرات؛ حيث تراجع، أو بالأحرى، خرجت القوات الإيرانية من سوريا، في حين ما تزال روسيا تحتفظ بتواجدها داخل القواعد العسكرية.
وبالطبع، من المهم أن تستمر العلاقة والتنسيق مع الجانب الروسي، كونها واحدة من الدول الفاعلة الرئيسية في القضية السورية.
كيف تقيّمون الواقع الأمني في شمال سوريا بعد هزيمة تنظيم داعش عسكرياً؟
يمكننا تقييم الأوضاع الحالية بأنها إيجابية من حيث تحقيق مستوى من الأمن والاستقرار، حيث تسير الأمور ضمن نطاق السيطرة. وكما هو معلوم، فقد تم القضاء على تنظيم داعش من الناحية العسكرية والميدانية في 23 مارس 2019.
إلا أن الإشكالية المرتبطة بتنظيم داعش هي في جوهرها فكرية، وليست فقط عسكرية، ما يتطلب معالجة جذرية وشاملة. فمكافحة الإرهاب لا تقتصر على المواجهة المسلحة، بل يجب أن تشمل تجفيف المنابع الفكرية والبيئية التي يتغذى منها التنظيم، وعلى رأسها الفقر والجهل.
وفي هذا الإطار، تُعدّ معالجة أوضاع المخيمات أولوية ملحّة، من خلال قيام الدول المعنية باستعادة رعاياها المنتمين إلى التنظيم، وتبنّي خطط استراتيجية لإعادة تأهيل عوائلهم وتمكينهم تمهيدًا لدمجهم في المجتمع، ضمن برامج متكاملة تأخذ بعين الاعتبار البعد النفسي والاجتماعي.
كما يجب العمل على إنشاء محاكمات دولية عادلة لعناصر التنظيم، وتوفير مراكز احتجاز تلتزم بالمعايير القانونية والإنسانية المعترف بها دوليًا.
كل ذلك يجب أن يترافق مع الدفع نحو تحقيق انتقال سياسي وطني شامل، يضمن مشاركة جميع السوريين في مستقبل بلادهم، مع وقف تدخل الدول ذات المشاريع التوسعية في الشأن السوري، خاصة تلك التي استغلت ورقة الإرهاب ودعمها لبعض الأطراف من أجل الحفاظ على حالة الفوضى، وتمرير أجنداتها الاحتلالي
هل تخشون عودة التنظيم مجدداً في ظل الظروف الإقليمية الراهنة؟
بالفعل، يشهد تنظيم داعش حالة من إعادة التنشيط بعد 8 ديسمبر، حيث توفرت له ظروف مواتية تتيح لعناصره التحرك بحرية في معظم الجغرافيا السورية، باستثناء مناطق شمال وشرق سوريا التي ما تزال تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية فعالة.
كما أن التوترات الإقليمية المتصاعدة تسهم في خلق بيئة خصبة لنشاط التنظيم، وتشجّعه على تكثيف عملياته وتحركاته، مستفيدًا من حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في عدد من المناطق.
قوات سوريا الديمقراطية كانت في طليعة المواجهة مع “داعش”. ما الذي تحتاجونه اليوم لضمان عدم عودته؟
إن استمرار الشراكة الاستراتيجية مع التحالف الدولي في مكافحة الإرهاب يجب ألا يقتصر على شمال وشرق سوريا فحسب، بل ينبغي أن يشمل كامل الجغرافيا السورية. وهذا يتطلب بالضرورة إطلاق عملية اندماج حقيقية تقوم على شراكة مؤسساتية بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري، بهدف تأسيس مؤسسة عسكرية موحدة، قائمة على المعايير المهنية المعتمدة في بناء الجيوش، بعيدًا عن الفصائلية والولاءات الخارجية.
كما يجب إنهاء حالة الوصاية التركية، المباشرة أو غير المباشرة، على بعض الفصائل المسلحة، وضمان أن تكون قرارات الجيش نابعة من مصلحة وطنية خالصة، لا تنفَّذ وفق أجندات إقليمية أو خضوعًا للولاءات الخارجية.
ولتحقيق هذا الهدف، لا بد من عملية انتقال سياسي وطني شامل وجامع، لا يُقصي أحدًا، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار. إلى جانب ذلك، يتطلب الأمر معالجة جذرية لمصادر الإرهاب، من خلال تجفيف منابعه الفكرية والاجتماعية، ومعالجة ملف مخيمات عوائل التنظيم وسجون عناصره بشكل جذري وإنساني وقانوني.
كما ينبغي أن تُبنى علاقات سوريا الإقليمية على أساس حسن الجوار والاحترام المتبادل، بعيدًا عن التدخل في الشؤون الداخلية أو فرض الوصاية.
كيف يمكن للدبلوماسية المصرية أن تساهم في الدفع نحو حل سياسي شامل للأزمة السورية؟
تُعتبر مصر دولة إقليمية ذات مكانة استراتيجية وثقل سياسي مهم على الصعيدين الإقليمي والدولي. وقد برزت مواقفها الثابتة والداعمة للقضية السورية منذ انطلاقة الحراك الشعبي في سوريا، حيث وقفت مصر بحيادية ونزاهة إلى جانب جميع أطياف المجتمع السوري دون تحيز أو تمييز.
وقد تحركت مصر ضمن إطار الالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة بالقضية السورية، مع التركيز على حماية مصالح الشعب السوري ومراعاة حقوقه الأساسية، ومواقفها منسجمة مع الشارع السوري. دون أن تسعى إلى تحقيق أي أجندات أو مشاريع خاصة على حساب مصلحة سوريا وشعبها.
وبناءً على هذه العوامل، يُمكن اعتبار الدور المصري محوريًا وفاعلًا في مسار القضية السورية، إذ تمتلك مصر القدرة على الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام بما يتوافق مع تطلعات السوريين ويُحظى بقبول واسع على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
ما الدور الذي تنتظرونه من الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي في دعم الاستقرار داخل سوريا والمنطقة؟
لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي تلعبه دول عدة في الأزمة السورية على المستويين الإقليمي والدولي. ومن هذا المنطلق، يتعين على هذه الدول أن تضع مصلحة الشعب السوري في مقدمة أولوياتها، مع احترام سيادة القرار الوطني السوري ودعم عملية التسوية السياسية التي تتوافق مع تطلعات السوريين.
إن تحقيق الاستقرار المستدام في سوريا لا يتحقق من خلال فرض الحلول والأجندات بالقوة أو الوصاية، بل يجب أن يقوم على أسس متينة من العدالة والمساواة، والديمقراطية الحقيقية، والتحول السياسي الشامل الذي يعزز من المشاركة الوطنية الفاعلة.
وبالطبع، الالتزام بهذه المبادئ يمثل الضامن الأساسي لنجاح العملية السياسية، ولإعادة بناء دولة القانون والمؤسسات التي تستعيد سيادتها وتلبي تطلعات شعبها في الأمن والازدهار.










