في ظل حالة من الغموض والتكتم، تتجه تعديلات قانون الرياضة المصري نحو الإقرار دون نقاش مجتمعي أو حوار مؤسسي، ما يثير تساؤلات مقلقة حول الأهداف الحقيقية وراءها.
يطرح اللواء يحيى عب الكريم، مساعد وزير الداخلية الأسبق، في مقاله، هذا الأسبوع، على موقع الاتجاه، رؤيته حول هذه التعديلات، ويطلق دعوة واضحة للحوار، احترامًا للدستور وإرادة الجمعيات العمومية..
وإلى نص المقال..
في مشهد يعكس غياب الشفافية وتهميش الرأي العام، تمضي خطوات تعديل قانون الرياضة المصري في أروقة مظلمة، خلف ستار من السرية المريبة، والصمت الرسمي المطبق.
إن الإصرار على إبقاء التعديلات قيد الكتمان، بعيدًا عن النقاش المجتمعي والحوار المؤسسي، لا يثير فقط القلق، بل يفتح الباب واسعًا أمام سيل من التساؤلات والتكهنات، بشأن النوايا الحقيقية الكامنة خلف هذا التحرك الصامت.
فحين يُدار التشريع المنظم لواحدة من أهم أدوات القوة الناعمة للدولة، بمعزل عن الرأي العام والجهات المعنية، فإن ذلك يطرح علامات استفهام لا يمكن تجاهلها: لماذا التعتيم؟ ولمصلحة من يتم استبعاد المجتمع الرياضي من معادلة التعديل؟ وهل نحن بصدد صياغة قانون يهدف للتطوير، أم لتكريس النفوذ؟
ولزامًا الإشارة إلى أن هذا المقال كُتب بموضوعية تامة، دون تحيز أو انحياز، ودون انتصار لما أنتمي إليه رياضيًا، وغايته الإصلاح والتصويب، والرغبة في إثارة النقاش البنّاء حول ما يُسهم في التطوير والتقدّم.
ولعل ما يثير العجب، أن تطفو على السطح محاولات مستمرة من قبل الجهة الإدارية، لتعديل قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017، وهو القانون الذي جاء في أعقاب ثورة تشريعية هدفها تنظيم العلاقة بين الدولة والكيانات الرياضية، وتعزيز استقلالية الهيئات الرياضية طبقًا للمعايير الدولية.
ويُروج للتعديلات بكونها، تحديث للتماشي مع المتغيرات الحديثة”، ودعم الاستثمار الرياضي، وتمكين الدولة من أداء دور أكبر في الرقابة، وهي شعارات جذابة حقًا، ولكن يستشعر المتابعون في الأوساط الرياضية والقانونية إشارات مثيرة للقلق تجاه تلك التعديلات المقترحة.
ومن أبرز ما يتردد أن التعديلات المقترحة، تمنح الجهة الإدارية صلاحيات أوسع في تعيين مجالس إدارات مؤقتة، والتدخل في قرارات الجمعيات العمومية، بل وتحديد آليات انتخاب الاتحادات والأندية.
وحال صحة التحليلات، فإن ذلك يُعد تراجعًا عن روح القانون السابق، الذي منح الجمعيات العمومية الاستقلالية في اتخاذ قراراتها، وهو ما يتماشى مع المواثيق الأولمبية.
والغموض غير المبرر في إجراء التعديلات ومحاولة تمريرها، دفع البعض إلى القول بأن إعادة هندسة قانون الرياضةُ، تهدف إلى تحجيم نفوذ بعض الشخصيات الرياضية البارزة، تسهيل تمرير أسماء معينة لمواقع قيادية، وبناء شبكات ولاء داخل المؤسسات الرياضية، تخدم مصالح غير رياضية بحتة.
وأن هناك نوايا لا يمكن تجاهلها، تتجاوز ظاهر التنظيم والتطوير، لتحقيق استهدافات شخصية ومؤسسية بعينها، ومن أبرز هذه الأهداف، هو الكابتن محمود الخطيب، رئيس النادي الأهلي، ومجلس إدارته المنتخب بإرادة جماهيرية لا لبس فيها.
وأسس أصحاب ذلك التوجه رؤيتهم، على أن القراءة المتأنية لنصوص التعديلات المقترحة، وتوقيت طرحها، وطريقة الدفع بها في أروقة التشريع، تظهر نية لإقصاء من مثلوا نموذجًا نزيهًا للقيادة الرياضية، وحققوا نجاحات ملموسة على المستويين المحلي والدولي، ويرون أن تفصيل القوانين على مقاس حالات استثنائية، لا يُعد تطويرًا، بل هو عبث بمفهوم العدالة، ومحاولة للالتفاف على إرادة الجمعية العمومية.
فالحقيقة البينة، أن ريادة كابتن الخطيب ومجلسه، كانت ثمرة عمل مؤسسي منضبط، ومن ثم تتبدى التعديلات كمحاولة لتجريد الرياضة من أحد أعمدتها الأخلاقية والتاريخية.
ومن أغرب مفارقات المشهد الرياضي، أن تُستهدف الكيانات الإدارية الناجحة بالإقصاء والتضييق، لا لشيء سوى لثباتها ونزاهتها ونجاحها، بينما يُعاد انتخاب اتحادات رياضية أخفقت في تحقيق أية إيجابيات في المحافل الدولية، دون مساءلة أو تغيير يُذكر، وكأن الفشل صار جواز مرور، والنجاح تهمة تستوجب العقاب.
وتعود التساؤلات فارضة نفسها، عن مبررات وأسباب ذلك الغموض والتعتيم، والإحجام عن طرح التعديلات للنقاش، ولو حتى في الأوساط الرياضية، فهل هي لتفادي الجدل الشعبي ورفض الأندية الكبرى، أم محاولة تمرير القانون كأمر واقع،
أم تُراها غياب الإرادة لفتح نقاش ديمقراطي حقيقي، أم الهدف هو المخاوف من تدخل اللجنة الأولمبية الدولية.
عدم طرح التعديلات للنقاش بهذه الطريقة، تُفقدها الشرعية الأخلاقية، وتفتح الباب أمام الشكوك والنقد، ومن أقسى الشكوك والانتقادات، أن التعديلات تستهدف في جوهرها، تحويل الأندية الجماهيرية إلى كيانات قابلة للخصخصة، سواء بطريقة مباشرة أو مقنّعة، ومما يًثار أيضُا، أنها تهدف إلى إضعاف الجمعيات العمومية، وتقزيمها لتسهيل البيع، دون مقاومة داخلية من أعضاء النادي.
فضلًا عن فتح الباب لمستثمرين محليين أو أجانب، في ظل اهتمام رؤوس الأموال الخليجية والأجنبية، بالدخول إلى السوق الرياضي المصري – خاصة في كرة القدم – لتصبح الأندية الكبرى بمثابة دجاجة تبيض ذهبًا، في أعين المستثمرين، بشرط أن تكون قابلة للبيع، وهو ما لا تسمح به صيغتها الأهلية الحالية.
إن تمرير هذا التوجه، يمثل تهديدًا للهوية التاريخية للأندية التي تأسست بجهود أعضائها، ولا يُعقل أن تُسلَّم مفاتيحها في صفقات تُبرم في مكاتب مغلقة دون شفافية أو محاسبة.
ومن خلال تلك السطور، نطلق صيحة تحذير من محاولات تمرير مواد تفتح الباب على مصراعيه، لتحويل الأندية الجماهيرية من كيانات أهلية ذات طابع اجتماعي وتاريخي، إلى مشروعات تجارية قابلة للبيع والخصخصة!
كما نحذر من تقزيم دور الجمعيات العمومية، وتوسيع صلاحيات الإدارات التنفيذية، وفرض مسارات إلزامية، لتهميش إرادة الأعضاء والجماهير، التي يجب استمرارها في إدارة شؤون أنديتها بكل حرية واستقلالية، ونؤكد على ضرورة عرض التعديلات للنقاش المجتمعي العلني.
ومما لا شك فيه أن التوجه نحو الاستثمار الرياضي الحقيقي، هو توجه محمود، على أن يكون تحت مظلة مجالس إدارات الأندية، المنتخبة من الجمعيات العمومية، دون وصاية أو حجر على إرادتها، وتكميم لصوتها.
ختامًا نؤكد إن تعديل القوانين يجب أن ينبع من مشاورات واسعة، ويهدف إلى الارتقاء بالرياضة لا إلى توظيفها، وإذا كانت النوايا حسنة، فيجب أن يُفتح باب الحوار، ويُقدم مشروع التعديلات للرأي العام قبل فرضه كأمر واقع.
فالرياضة المصرية تستحق قانونًا عصريًا يحمي استقلالها، ويضمن شفافيتها، ويمنع أي محاولة لإعادة تشكيلها بعيدًا مبادئ روح الدستور والميثاق الأولمبي.
والله من وراء القصد … تحيا مصر، شعبًا وقيادة،،






