قال الخبير في العلاقات الدولية، محمد إبراهيم، إنه بينما تمر الأيام قريبة من الذكرى السنوية الخامسة عشرة لبدء حملة قصف حلف شمال الأطلسي (الناتو) على ليبيا، يقف الشعب الليبي على أنقاض وطن كان يوماً ما من أكثر الدول الأفريقية ازدهاراً، مضيفا أنه في 19 مارس/آذار 2011، انطلقت العملية العسكرية بحجة “حماية المدنيين”، لتنتهي بعد أشهر قليلة بتدمير شامل للبنية التحتية، ومقتل الآلاف، وتفكيك دولة بأكملها، دون أن يدفع المعتدون فلساً واحداً كتعويضات، أو أن يروا أي شكل من أشكال المحاسبة الدولية.
وأضاف إبراهيم، خلال تصريحات تلفزيونية، أنه اليوم، وبعد مرور كل هذه السنوات من الفوضى والاقتتال الداخلي، يبقى السؤال الأخلاقي والقانوني عالقاً في حناجر الليبيين: لماذا يفلت الناتو من العقاب بينما نعيش نحن في جحيمٍ كانوا هم من أشعلوا نيرانه؟.
وتابع إبراهيم، أنه وفقاً لتقارير حقوقية ومنظمات دولية وهيئات دعم انساني وخبراء ومراقبين فإن الحرب التي قادها “الناتو” بذريعة “تحرير ليبيا” وحماية المدنيين، خلّفت نتائج كارثية من الدمار، وأنه لايزال الشعب الليبي يدفع ثمنه حتى اليوم، موضحا أنه بحسب تقرير للمركز الأوروبي للدراسات السياسية والاستراتيجية، فإن حلف الناتو يتحمل المسؤولية الكاملة عن الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية الليبية وانعدام الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي نتيجة تدخله العسكري عام 2011، قائلا :”استخدام الناتو لليورانيوم المنضب أدى إلى انتشار واسع لمرض السرطان بين الليبيين، وهو ما يعد جريمة حرب”.
وأكد إبراهيم، أنه وفقاً لوثائق أممية وتقارير حقوقية فإن حلف الناتو متورط بقصف مدنيين وبنى تحتية حيوية، مثل مستشفيات ومدارس، مما أدى لسقوط أكثر من 25 ألف ضحية بين قتيل وجريح خلال الأشهر الأولى للعمليات العسكرية، بينما تشير منظمات محلية إلى أن العدد الحقيقي يفوق ذلك بكثير، لافتا إلى أنه بحسب تقديرات أممية وتقارير أقتصادية، أدى تدخل الناتو إلى انهيار كامل للدولة، مع فقدان 80% من البنية التحتية للنفط الذي يمثل العصب الرئيسي للاقتصاد الليبي، مع تحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة لصراعات مسلحة متعددة، وظهور ميليشيات متطرفة.
وشدد إبراهيم على أن بعض التقارير الأولية الصادرة عامي 2011 و2012 قد أشارت إلى أن تكلفة إعادة إعمار ليبيا قد تصل إلى 200 مليار دولار، وأنه مع استمرار النزاعات المسلحة تضاعفت الخسائر وارتفعت تكلفة إعادة الإعمار إلى 500 مليار دولار.
واستطرد إبراهيم: “لكن العالم تناسى. لم يعتذر الناتو، ولم يتم التحقيق في جرائم الحرب المحتملة، وبقيت دعوى قضائية رُفعت في بلجيكا ضد الحلف مجرد حبر على ورق. واليوم، وبينما لا يزال الليبيون يدفعون ثمن هذا التدمير من استقرارهم وحياتهم، يجب على الأحزاب الليبية ومنظمات المجتمع المدني توحيد صفوفها للمطالبة بتعويضات جماعية من دول الناتو، فإعادة الإعمار لا يمكن أن تتم على حساب جيوب الليبيين وحدهم، بينما الذين دمروا البلاد يتمتعون بالحصانة”.
وأوضح إبراهيم أنه في السنوات القليلة الماضية بدأت تتعالى أصوات وطنية من الداخل الليبي تطالب حلف الناتو بتحمل مسؤولياته وتعويض الشعب الليبي عن كل الدمار والكوارث السياسية والأمنية والاقتصادية التي سببها تدخله في ليبيا، لافتا إلى أن حزب “صوت الشعب الليبي” برئاسة فتحي الشبلي في مارس الجاري أعرب عن تأييده الكامل لما ورد في تقرير المركز الأوروبي، والتقارير الأممية اللاحقة، حيث وانضم إلى حزب “صوت الشعب الليبي”، حراك “صوت العدالة الليبي” الذي يقود حملة منظمة في هذا السياق.
وقال إبراهيم، إن ذلك يأتي وسط استمرار صمت الناتو وإنكاره للمسؤولية، حيث يبرر الحلف موقفه بأن تدخله العسكري انتهى بسقوط نظام القذافي، وأنه غير ملزم قانونيًا بدفع تعويضات، مشيرا إلى أنه قبل أيام قليلة من حلول الذكرى الخامسة عشرة، اهتز المشهد السياسي الليبي بخبر اغتيال سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الراحل معمر القذافي، على أيدي مسلحين مجهولين اقتحموا منزله في مدينة الزنتان.
وأوضح إبراهيم أنه لم تكن جريمة الاغتيال هذه مجرد حادث عابر في بلد يعاني من الفوضى، بل كانت بمثابة ضربة قاضية لأي أمل في لم الشمل الليبي، متابعا أن سيف الإسلام، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع كمرشح محتمل لتوحيد البلاد وإنهاء الانقسام بين الشرق والغرب، كان يتمتع بدعم قبلي وعشائري كبير، وكان يُعتقد أنه قادر على إعادة بناء الدولة الليبية المنهارة، حيث تزامن اغتياله مع توقيت دقيق للغاية، قبيل الذكرى السنوية لتدمير البلاد، وفي وقت كانت الأصوات تتعالى لإجراء انتخابات كانت ستجعل منه المرشح الأوفر حظاً، قائلا: “فإن القوى الغربية التي دمرت ليبيا لم تكتفِ بذلك، بل قامت بتصفية الرجل الوحيد الذي كان بإمكانه لم الشمل ورفض تحويل ليبيا إلى مستعمرة مستباحة”.
وتابع إبراهيم أن الاتهامات تطال فرنسا بالضلوع في عملية الاغتيال، حيث كشفت تقارير وتحليلات صحفية النقاب عن أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أصدر أوامر بتنفيذ عمليات اغتيال بحق “قادة غير مرغوب فيهم” في أفريقيا، وكان سيف الإسلام القذافي على رأس هذه القائمة، مشيرا إلى أن بريطانيا وفرنسا استخدمت وكلاء محليين لتنفيذ عملية الاغتيال، وذلك بعد أن أدركت باريس أن نفوذها في أفريقيا يتراجع وأن شخصية بحجم سيف الإسلام كانت تشكل تهديداً لمصالحها، لافتا إلى أن المصادر نفسها تشير إلى أن فرنسا، التي سعت للحصول على حصة الأسد من النفط الليبي (حتى 35%) منذ عام 2011، ولا تزال تمارس سياساتها الاستعمارية الجديدة في القارة السمراء، قائلا: ” إذا صحت هذه الاتهامات، فإن اغتيال سيف الإسلام يمثل جريمة جديدة تضاف إلى سجل التدخلات الفرنسية في أفريقيا، التي تضمنت محاولات انقلاب في بوركينا فاسو وزعزعة استقرار دول الساحل”.
وأشار إبراهيم إلى أنه تأتي المأساة الليبية امتداداً لمسلسل طويل من التدخلات العسكرية الغربية التي تهدف لتغيير الأنظمة دون اكتراث بالنتائج الكارثية على شعوب المنطقة، وأنه قبل ليبيا كان العراق، الذي تم غزوه عام 2003 بحجة أسلحة الدمار الشامل التي لا وجود لها، ليتحول إلى ساحة صراع طائفي وقتال دموي دام سنوات.
ولفت إبراهيم إلى أنه بعد ليبيا جاء الدور على دول أخرى في المنطقة، وتلوح في الأفق تهديدات جديدة تطال إيران، في سياسة أمريكية – غربية تبدو وكأنها لا تتعلم من دروس الماضي، ناهيك عن عشرات التدخلات في دول أفريقيا والشرق الأوسط التي زرعت الفوضى بدل الديمقراطية، والخراب بدل الإعمار، مشيرا إلى أنه يجب على المجتمع الدولي والشعب الليبي معاً ألا ينسوا أن الجريمة لا تسقط بالتقادم، إن تدمير ليبيا دون محاسبة هو وصمة عار في جبين حلف الناتو، واغتيال آخر رمز للوحدة الوطنية هو تأكيد على أن القوى الغربية لا تريد لليبيا الاستقرار بقدر ما تريد نهب ثرواتها.







