قال اللواء يحيى عبد الكريم في مقاله الأسبوعي على موقع الاتجاه إن المشهد الرياضي يشهد تصاعداً غير مقبول في مستوى التجاوزات اللفظية والتصريحات المنفلتة، خصوصاً تلك التي تستهدف النادي الأهلي وجماهيره، مؤكداً أن ما يحدث لم يعد نقداً بل إساءات صريحة صادرة أحياناً من مسؤولين يفترض فيهم الانضباط، وأن تجاهل الشكاوى الرسمية للأهلي وعدم تطبيق القوانين بعدل خلق انطباعاً بوجود ازدواجية في المعايير، داعياً إلى وقفة جادة تعيد للرياضة احترامها، وللخطاب الرياضي توازنه، وللقانون هيبته على الجميع بلا استثناء، وإلى نص المقال:
“في خضم الحراك الرياضي المتسارع، وما يشهده المشهد من تفاعل جماهيري وإعلامي واسع، تبرز بين الحين والآخر سلوكيات وتصريحات تتجاوز حدود النقد البنّاء، وتلامس مساحات غير مقبولة من التجاوز والانفعال.
ولأن الرياضة بيئة تتسع للجميع وتستمد جمالها من التنافس الشريف والطرح المسؤول، فإن من الضروري التوقف عند بعض الممارسات التي خرجت عن هذا الإطار، خاصة تلك التي تمس مؤسسات رياضية عريقة وجماهير واسعة لها حضور وتأثير كبير، وفي مقدمتها النادي الأهلي.
ومن هنا يأتي هذا المقال، لتسليط الضوء على ظاهرة متكررة تستحق وقفة جادة ومراجعة هادئة. فما عاد الصمت ممكناً، ولا عاد التغاضي خياراً مطروحاً أمام من يشاهد على مرأى الجميع، سلسلةً من التجاوزات الفجّة التي تتكرر من بعض المسؤولين تجاه النادي الأهلي وجماهيره، لقد جاوز الجاهلون المدى، وطفح الكيل. وما نراه اليوم لم يعد نقداً، ولم يعد حتى اختلافاً في الرأي. بل تحوّل – في كثير من الحالات – إلى إساءة صريحة،
واتهامات منفلتة، وتصريحات لا تمت للمسؤولية بصلة، والمفارقة المريرة أن بعضها يصدر من أشخاص يشغلون مناصب رفيعة، يُفترض معها قدراً أعلى من المهنية والانضباط، آخرهم ذلك اللا مسئوول في مؤسسة اقتصادية كبرى، الذي أعماه تعصبه وانتماؤه، عن أن يتمسك بالثوابت، وينخرط في سلوكيات الغوغاء والسوقة. فالأهلي ليس نادياً عابراً، ولا جماهيره ظاهرة طارئة يمكن استفزازها بالإساءة أو تجاهل حقوقها، الأهلي مؤسسة رياضية راسخة، لها تاريخ ودور وتأثير،
ولذلك، فإن استهدافها أو التطاول عليها لا يُعد تجاوزاً لناد أو لفئة جماهيرية فحسب، بل هو تجاوز لمنظومة كاملة يفترض أن تتعامل باحترام وعدل وحياد. ومن المؤسف أن بعض المسؤولين لم يدركوا بعد أن مواقعهم ليست ملكاً شخصياً، وأن تصريحاتهم تُحسب على مؤسساتهم قبل أن تُحسب عليهم، وأن الكلمة إذا صدرت لا تعود، وأن الجمهور أكثر وعياً وقدرة على التوثيق والمطالبة بحقوقه المنتهكة. تقدم النادي الأهلي وجماهيره بشكاوى عديدة، موثّقة، واضحة، تطالب بحماية الحقوق، ووقف الإساءات، وتفعيل القوانين التي وُضعت أصلاً لضبط المشهد ومنع الانفلات،
لكن المؤسف أن هذه الشكاوى كثيراً ما قوبلت بالتجاهل أو البطء غير المبرر، وكأن المنظومة تقول للجماهير: “تحمّلوا… فلا جديد سيحدث.” وحين تُهمل الشكاوى، وتُمرر التجاوزات، ويُترك الخطاب المتشنج بلا محاسبة، فإن النتيجة الحتمية هي تصاعد حدة الخطاب، وزيادة الجرأة على الخطوط الحمراء، حتى يصل الحال إلى ما رأيناه مؤخراً من تصريحات لا يمكن تبريرها ولا الصمت عنها. السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تُترك هذه التجاوزات دون ردع قانوني وإداري؟ إن ترك الباب مفتوحاً أمام التجاوزات يخلق بيئة تشجع آخرين على تكرارها، ويجعل من الساحة الرياضية مسرحاً لصراع اللفظ والتجريح،
لا ساحة للتنافس الشريف. وقد شهدنا خلال الآونة الأخيرة وقائع ثابتة وموثّقة، تمثّلت في صدور عبارات نابية وألفاظ خادشة للحياء العام من أحد اللاعبين، ثم من عضوٍ في مجلس إدارة أحد الأندية، وذلك في تسجيلات مرئية متداولة شكّلت، حسب معايير القانون الجنائي، أفعالاً تندرج تحت نطاق الإساءة العلنية والسب العلني، المعاقب عليهما بموجب نصوص القانون ذات الصلة. ورغم وضوح المادة الفيلمية وتقديم الشكاوى بشأنها، لم تُباشَر إجراءات محاسبية تتناسب مع طبيعة هذه المخالفات،
الأمر الذي أوجد انطباعاً عاماً بوجود قدرٍ من التحصين الفعلي من المساءلة لبعض مرتكبي هذه التجاوزات، وبأن تطبيق النصوص العقابية لا يجري على قدم المساواة، وهو ما يقتضي مراجعة جادة لضمان سيادة القانون على الجميع بلا استثناء. ناهيك، عن الإساءات المتكررة من مقدمي بعض البرامج الرياضية وغيرها، بمحطات فضائية مرئية ومسموعة وضيوفهم، ممن يتعمدون التجاوز قبل النادي الأهلي ومكوناته، دون حسيب ولا رقيب. إن الأهلي وجماهيره لا يطلبون امتيازاً، ولا يسعون إلى معاملة خاصة، إنما ينشدون العدل، وتطبيق القوانين بلا انتقائية،
وحماية الأندية من الخطابات الرعناء، ومحاسبة من يتجاوز مهما كان منصبه، فالمنظومة الرياضية لا يمكن أن تنهض في ظل ازدواجية المعايير، ولا يمكن أن تكسب احترام الجمهور إذا كانت تُظهر الشدة في موضع والتساهل في موضع آخر. والحقيقة الدامغة، أن المنصب ليس درعاً، والميكروفون ليس سيفاً، والكلمة مسؤولية لا ملكية، ومن يتجاوز اليوم على مؤسسة بحجم الأهلي وجماهيره، إنما يضرب في صميم الروح الرياضية ويُسهِم في خلق مناخ متشنج ستكون كلفته على الجميع، ويوسع هوة الاحتقان ويؤجج نيران الفتن بين الجماهير،ما ينذر بعواقب وخيمة، يستطيل أثرها خارج الملاعب.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تجاوزات منفردة، بل هو نمط متكرر يحتاج وقفة جادة، وقفه تُعيد للرياضة احترامها، وللمسؤولية هيبتها، وللخطاب الرياضي توازنه. وصبر الأهلي وجماهيره ليس ضعفاً، لكنه صبر الواثق من حقه، المُطالب بقانونه، الحريص على أن يظل المشهد الرياضي نظيفاً، نزيهاً، شأنهم شأن بقية الأندية يستحقون أن تُصان حقوقهم، وأن تُستقبل شكاواهم بجدية،
وأن يلقى كل تجاوز ما يستحقه من محاسبة، تلك هي التمنيات والمنشودات. وما زال السؤال قائماً: إلى متى ستُترك التجاوزات دون حساب؟ وإلى متى سيظل الصادقون هم وحدهم المطالبون بالسكوت، بينما يجاوز الجاهلون كل مدى؟ والله من وراء القصد،،، عاشت مصر شعبًا وقيادة”




