أعاد عدد من الصحفيين والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي تداول فقرة من أطروحة الدكتور أحمد حسنين عبد المقصود، الباحث المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، كتبها عام 2016، في سياق دراسته لتأثير الرواية العبرية على الصراع العربي–الإسرائيلي. المقطع، الذي بدا لعدد من القراء وكأنه “قراءة مسبقة” لما جرى يوم 7 أكتوبر 2023، أثار موجة من النقاش والجدل حول دور الباحث في التنبؤ، والتحليل، والمسؤولية المعرفية.
يقول الدكتور أحمد في ذلك المقطع:
“إن أبرز ما تعكسه معظم الروايات العبرية التي تتناول الصراع الإسرائيلي – العربي هو أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدي إلى انفجار هائل لا محالة. لا يمكن التنبؤ تحديدا أين سيحدث هذا الانفجار، في الأراضي المحتلة، أم الضفة أو غزة؟! لكن ما لا ينبغي تجاهله، هو أن آلة الحرب الإسرائيلية الأكثر تقدما وتفوقا، وبما تتضمنه من أذرع استخباراتية، قد تصبح يوما ما على قدم المساواة مع ما يملكه الفلسطينيون من إيمان قوي بحقهم على هذه الأرض، ومع ما أصبحت فصائل المقاومة تملكه أيضا من قدرات عسكرية واستخباراتية قد تبدو للبعض بدائية جدا، لكنها قد تبهر العالم يوما بقدرتها على الوصول إلى تل أبيب دون أن تستوقفها قبة حديدية أو جنود لواء جولاني. وحتى إذا حدث هذا فإنه لن يجلب سوى المزيد من أنهار الدماء على الجانبين، وبالتأكيد ستكون هذه دماء المدنيين والنساء والأطفال، وذلك لأن الساسة وصناع القرار سيقبعون وقتها في مكاتبهم المجهزة تحت الأرض لمناقشة إطالة أمد الحرب، معتقدين أن طرفا ما سينتصر في النهاية، ولعل هذا ما يعزز فكرة ضرورة أن يعمل المجتمع العالمي وبأسرع ما يمكن على إقرار حل عادل للصراع يعيد الحق لأصحابه، ويحقن دماء الأبرياء”.
حول هذا النص وسياقه، أجرينا الحوار التالي مع الدكتور أحمد حسنين عبد المقصود.
س: بداية، دكتور أحمد، كيف تفسّر الجدل الذي أثاره هذا النص بعد سبع سنوات من كتابته؟
ج: الأمر بالنسبة لي ليس مفاجئًا تمامًا، لكنه محمّل بمفارقة لافتة. النص لم يُكتب كنبوءة أو تكهّن، بل كتحليل مبني على قراءات معمقة للخطاب العبري، والسلوك السياسي الإسرائيلي، وتطور أداء المقاومة. كنت أحذّر من حالة الجمود والانفجار المتوقع، وهو منطق الصراع نفسه منذ عقود. عودة المقطع إلى التداول بعد ما حدث في أكتوبر، وإن كانت تطرح تساؤلات، فإنها تؤكد أن التحليل العلمي الصادق قد يسبق أحيانًا وعي المؤسسات.
س: بعض من أعاد نشر الفقرة رأى فيها تعاطفًا ضمنيًا مع المقاومة، كيف ترد؟
ج: بالطبع أرفض هذه القراءة الاختزالية. لم أكتب دفاعًا عن طرف، بل عرضت واقعًا معقدًا بلغة تحذيرية واضحة. حين أشرت إلى إمكانية وصول المقاومة إلى تل أبيب، كان الهدف هو الإشارة إلى اختلال في ميزان الردع، واحتمال حدوث خرق أمني. التحليل لا يعني التبرير. وما كتبته حمل في طياته تحذيرًا إنسانيًا واضحًا: أن أي انفجار بهذا الشكل ستكون ضحيته الأولى والأخيرة هي الشعوب، لا الجيوش.
س: أنت من الأصوات الأكاديمية التي اشتغلت على تحليل اللغة العبرية كمدخل لفهم البنية السياسية والثقافية الإسرائيلية. كيف خدمك ذلك في صياغة هذا النص؟
ج: بالتأكيد. عملي على اللغة العبرية لم يكن لغويًا فقط، بل تفكيكيًا أيضًا. قراءتي للنصوص العبرية السياسية والإعلامية والأدبية منحتني نافذة لفهم البنية النفسية والخوف الجمعي الإسرائيلي، وكيف يتجلى ذلك في صياغة السياسات الأمنية. هذا الإدراك مكّنني من رؤية مبكرة لتآكل فعالية الردع، خاصة حين يصبح الخطاب الإسرائيلي دفاعيًا أكثر منه هجوميًا، ما يدل على تغيّر في الثقة بالمنظومة.
س: لك تجربة متعددة في تدريس العبرية، من مصر إلى الإمارات فالولايات المتحدة. كيف أثرت هذه التجارب على فهمك لطبيعة الصراع؟
ج: في مصر، كان تدريس العبرية غالبًا يحمل بُعدًا أمنيًا وتحليليًا. في الإمارات، اختلف السياق تمامًا بعد اتفاقيات إبراهام، وأصبح تعلم العبرية متصلاً بالانفتاح الدبلوماسي والتفاعل المهني. أما في أمريكا، فالأمر معقّد؛ هناك نظرة براغماتية للغة باعتبارها أداة للوصول إلى المعرفة، لكن كثيرين يصابون بالدهشة حين أُقدم لهم إسرائيل من الداخل بلغة النقد والتحليل الثقافي. هذه التجارب كشفت لي أن الصراع لا يُفهم فقط من الداخل السياسي، بل أيضًا من خلال المساحات التعليمية التي ندرّس فيها هذه اللغة.
س: هل ترى أن تعليم العبرية يجب أن يستمر في العالم العربي رغم كل ما يحدث؟
ج: نعم، وبشدة. لكن ليس تعليمًا محايدًا بلا بوصلة، بل تعليمًا نقديًا. لا نريد طلابًا يتقنون العبرية ليعملوا فقط في مراكز خدمة العملاء أو الأبحاث أو الترجمة، بل ليكونوا فاعلين في تفكيك الخطاب، وتحليل بنية القوة، وكشف زيف الدعاية حين يلزم. العبرية ليست ملكًا لأحد، وهي بوابة لفهم “الآخر” من دون تجميل ولا شيطنة. ومن هذا المنطلق كتبت نصي الذي أعيد تداوله، وأنا ماضٍ في الدفاع عنه.
س: في رأيك، لماذا لم تأخذ المؤسسات العربية الرسمية أو البحثية هذه التحذيرات على محمل الجد آنذاك؟
ج: لأنها غالبًا مشغولة بردّ الفعل، لا بتحليل المقدمات. مؤسساتنا تحتاج إلى أن تعطي للباحثين وقتًا ومساحة للاستباق، لا فقط للتفسير بعد وقوع الكارثة. المشكلة أن التحليل الرصين لا يُقدّر إلا حين يتحقق، وحينها يُقال: “كان يعلم مسبقًا!”، مع أنه في الحقيقة كان يقرأ الواقع كما هو، لا كما نريده أن يكون.
س: أخيرًا، ما رسالتك للقراء الذين يرون فيك اليوم “متنبئًا بالأحداث”؟
ج: هههه، أقول لهم: دعونا نرتقي بالجدل. ليست المسألة فيمن قال ومتى، بل: ماذا قيل؟ ولماذا لم يُؤخذ على محمل الجد؟ دعوتي ليست للانبهار، بل للاستماع والتأمل والتفكير. وأدعو كل من قرأ تلك الفقرة أن يعود للسياق الكامل، للنص، للرسالة، قبل أن يُصدر حكمًا. المعرفة مسؤولية، ومن حقنا كعرب أن نكون جزءًا من صناعة الوعي، لا مجرد شهود على تكرار الكارثة.









