تحدث اللواء يحيى عبد الكريم في مقال اختص به موقع الاتجاه عن ظاهرة الهجرة غير الشرعية في مصر، مسلطًا الضوء على مخاطرها ومآسيها التي تواجه الشباب.
وأشار إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والدينية التي تدفع الشباب للمخاطرة بحياتهم، مؤكدًا على ضرورة التحرك الحكومي والمجتمعي لمواجهتها.
وحذر من استغلال الشباب في النزاعات المسلحة والهجرة غير الشرعية، داعيًا إلى بناء بدائل آمنة ومشروعات حقيقية داخل الوطن
وإلى نص المقال:
في مشهد متكرر بات يؤلم الضمير الإنساني، تستفيق القرى المصرية بين الحين والآخر على خبر مأساوي، يحمل في طياته غرق قارب أو فقدان شاب، كان يحلم بالوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط، شباب في عمر الزهور، ودّعوا أهاليهم على أمل العودة بالعملة الصعبة، لكنهم عادوا في أكفان، أو لم يعودوا أبدًا.
ويا للعجب! كيف يرضى بعض الأهالي، بدافع اليأس أو الطمع، أن يدفعوا أبناءهم إلى مصير مجهول، ويغامروا بأرواحهم في قوارب الموت، بدلًا من أن يحتضنوهم ويصبروا عليهم ويسعوا معهم لإيجاد البدائل الآمنة، والمستقبل الكريم داخل أوطانهم؟ إن الواجب اليوم يفرض علينا جميعًا أن نعيد النظر في مفاهيمنا، وأن نجعل من الحفاظ على الإنسان أولى الأولويات، قبل أن نُفقد ما تبقى من طاقاتنا وثرواتنا البشرية.
فما الذي يجعل الأسرة تقبل بتضحية كهذه؟ هل هو الفقر وحده، أم أن هناك خللاً أعمق في منظومة القيم والتصورات؟
الغيرة والتقليد يلعبان دورًا مهمًا، وغالبًا ما يكون خفيًا، في دفع الشباب نحو الهجرة غير الشرعية، خاصة في المجتمعات التي تعاني من البطالة، الفقر، أو ضعف العدالة الاجتماعية.
وتتمثل الغيرة، فيما يشعر به بعض الشباب، بالحسد تجاه أقارب أو أصدقاء، سافروا بطريقة غير شرعية ثم عادوا ناجحين ماديًا، كذا الغيرة من مستوى معيشة الآخرين، حينما يرى الشاب الحالم بالثراء، من هاجروا يمتلكون سيارات، بيوتًا، هواتف حديثة، فيقارن دون وعي بين ظروفه وظروفهم، ما يدفعه للمخاطرة.
بينما التقليد، يقود إلى عدوى تجربة المهاجرين من القرية، أو المنطقة، بلا دراسة، والتقليد الأعمى للمظاهر، دون معرفة بالصعوبات الواقعية، والغريب أن بعض المجتمعات، ترى في الهجرة حتى غير الشرعية منها، باعتبارها بطولة، وشجاعة، مما يزيد من ضغط التقليد الاجتماعي.
وعلى غير عادتنا في الإشارة إلى الأسباب المؤدية إلى الظاهرة، ثم تداعياتها وأوجه المداركة، دعونا نقفز مباشرة إلى واحدة من أخطر التداعيات، وهي التجنيد في الجيوش الأجنبية ومناطق الصراع، تلك الظاهرة المستترة التي بدأت تطفو على السطح مؤخرا.
إن استقطاب الشباب المصري للانخراط في صفوف الجيوش المتحاربة في النزاعات المسلحة، ومنها الصراع الروسي الأوكراني، يمثل صورة صارخة لانزلاق أبناء هذا الوطن إلى حروب لا تعنيهم، بدافع الحاجة أو التضليل، تحت تأثير وعود زائفة بالحماية أو الاستقرار.
هؤلاء الشباب، الذين يُنتزعون من أحلامهم ليُزجّ بهم في صراع دولي لا يمتّ إليهم بصلة، يقعون ضحايا لتجار الموت وسماسرة الأزمات، ممن يستغلون هشاشتهم ويغذّون فيهم اليأس، إنها مأساة ذات وجهين: تُفرغ مصر من طاقاتها الشابة، وتعيد تصديرهم إلى الموت المجاني في معارك عبثية، ما يستدعي دق ناقوس الخطر، وإطلاق استجابة وطنية حازمة لوقف هذا النزيف الصامت قبل أن يتحوّل إلى أزمة أمن قومي حقيقية.
وعودًا إلى الأسباب المؤدية إلى ظاهرة الهجرة، يمكن القاء الضوء على أخصها، على النحو التالي
1. الفقر والبطالة، لا شك أن الفقر والحرمان يشكلان الدافع الأكبر، حينما يصبح الشاب عبئًا إن لم يكن عائلًا، وحين تضيق فرص العمل، تتبدى الهجرة كفرصة وحيدة.
2. التداعي في الداخل، حيث التفاوت الطبقي، ضعف التعليم، وبيروقراطية الحصول على فرصة كريمة.
3. النماذج المغرية، والتي تتجسد في عودة أحد أبناء القرية من الخارج، وقد بنى بيتًا أو اشترى سيارة، فيتحول إلى “نموذج يُحتذى، دون اكتراث بالثمن الحقيقي الذي دُفع في سبيل ذلك، سواء كان الذل أو الخطر أو حتى الموت.
ورغم أن الهجرة قد تبدو حلمًا ورديًا للهرب من الفقر والبطالة، إلا أنها طريقًا مليء بالمآسي والمخاطر، التي تُهدد الحياة والكرامة والإنسانية، ومن بين هذه المخاطر والتداعيات، ما يلي:
1. الموت غرقًا أو اختناقًا (القوارب المتهالكة تبتلع أرواحًا كل عام، في مشاهد مأساوية تتكرر من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي – بعض المهاجرين يُختنقون داخل شاحنات أو حاويات مغلقة في أثناء التهريب).
2. الاستغلال على يد المهربين (تستغل شبكات التهريب المهاجرين ماديًا ونفسيًا، وتتركهم في العراء أو تبيعهم لشبكات إجرامية أخرى – في بعض الحالات، التعرض للاتجار بالأعضاء البشرية).
3. التحرش الجنسي والعنف الجسدي (تتعرض النساء والفتيات في طريق الهجرة، لخطر الاغتصاب والاستغلال الجنسي – ويتعرض الرجال للضرب والإهانة، خاصة في مراكز الاحتجاز غير الرسمية).
4. الاحتجاز والترحيل والعمل القسري (من خلال الزج في مراكز احتجاز غير آدمية، والترحيل دون محاكمة أو حماية قانونية – والإجبار على العمل في ظروف قاسية وغير إنسانية، في الزراعة، البناء، أو حتى التسوّل المنظّم).
5. الحرمان من الرعاية الصحية (يتعرض المهاجرون لأمراض عديدة دون علاج، وقد يُصابون بعاهات دائمة بسبب الإهمال الطبي – مشاهد الموت والفقد والعنف تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، يُصيب الكثير بالاكتئاب أو اضطرابات ما بعد الصدمة).
ومن كل ما سلف سرده وعرضه، حري بنا التأكيد على أن التصدي للهجرة غير الشرعية لا يكون بالشعارات، ولا بالملاحقة الأمنية وحدها، بل يتطلب تحركًا شاملًا على عدة مستويات، نعرض لأبرزها على النحو التالي:
1. المستوى الحكومي (توفير فرص عمل حقيقية في القرى والمراكز النائية – تطوير برامج التدريب المهني، وتأهيل الشباب لسوق العمل المحلي -سن تشريعات صارمة ضد السمسرة في الهجرة غير الشرعية، وملاحقة شبكات التهريب).
2. المستوى التربوي والإعلامي (إعادة بناء خطاب إعلامي يسلط الضوء على مخاطر الهجرة، ويروج لقصص النجاح المحلية – دمج قيم الانتماء والواقعية في المناهج التعليمية، وتعزيز ثقافة التحدي والصبر والعمل).
3. المستوى المجتمعي والأسري (دعم الأسر الفقيرة بمشروعات تنموية صغيرة، تحول دون تفكيرها في بيع الأبناء – رفع وعي الآباء بأن الهجرة غير الشرعية ليست استثمارًا، بل مقامرة بحياة لا تُعوّض).
وبات لازمًا أن ننوه إلى ضرورة أن يكون للمؤسسات الدينية، دورًا فاعلًا في التصدي للظاهرة، من خلال التأثير الأخلاقي والتربوي والتوعوي على الأفراد والمجتمعات، حسب الآتي:
1. التوعية والتثقيف الديني والأخلاقي (بتوعية الناس بالمخاطر التي قد تواجههم أثناء الهجرة غير الشرعية مثل الموت في البحر، الاستغلال، والاتجار بالبشر – التأكيد على حرمة تعريض النفس للتهلكة، من منظور شرعي، استرشادًا بقوله تعالى: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”. – نشر القيم الدينية حول الصبر والعمل الشريف، والسعي للرزق الحلال في البلد الأصلي، بدلًا من ركوب مخاطر لا تُحمد عقباها.
2. العمل مع الدولة والمجتمع المدني (التنسيق مع الجهات الحكومية لنشر رسائل التوعية الدينية عبر وسائل الإعلام والمنابر – المشاركة في حملات وطنية، والمساهمة في الحملات المشتركة لمكافحة الهجرة غير الشرعية، خاصة في المناطق الأكثر تأثرًا بها.
3. تصحيح المفاهيم الخاطئة (للرد على دعاوى المغالاة في أهمية الهجرة وكشف الأكاذيب التي يروجها سماسرة الهجرة، وتصحيح المفاهيم حول الحياة المثالية في الغرب – التحذير من استغلال الدين لتبرير الهجرة غير الشرعية، لا سيما مع استخدام بعض الجماعات لحجج دينية لتبريرها).
وهكذا يمكن للمؤسسات الدينية، من خلال تأثيرها الواسع في المجتمعات، أن تسهم بقوة في التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية.
ختامًا، الهجرة غير الشرعية ليست مخرجًا من الفقر، بل طريقًا مختصرًا إلى الموت أو العبودية، قبل أن تخاطر، فكّر في الحياة التي تتركها، وفي الحياة التي قد لا تجدها.
تحيا مصر .. شعبًا وقيادة،،
والله من وراء القصد،،



