قال اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية السابق، في مقال له على موقع «الاتجاه» إن الأخطار التي تهدد الأطفال لم تعد مقتصرة على الانتهاكات المباشرة، بل تمتد إلى ما وصفه بـ«الذئاب الرقمية» والمحتوى الكرتوني المنحرف، اللذين يتسللان بهدوء إلى عقول الصغار عبر الشاشات.
وأكد أن حماية الأطفال تتطلب وعيًا أسريًا ويقظة مجتمعية وتشريعات صارمة، إلى جانب تعزيز القيم الدينية والرقابة الواعية والحوار الدائم داخل الأسرة، مشددا على أن الأطفال يمثلون خطًا أحمر وأمنًا قوميًّا للدولة، وأن حمايتهم واجب وطني لا يقبل التهاون أو الإهمال..
وإلى نص المقال
انشغل الرأي العام المصري بأحداث جلل، تغطى أنباء لانتهاكات براءة عددًا من أطفالنا، بمدارس ومنشآت تعليمية من تلك المصنفة، بأنها للخاصة وذوي القدرة واليسار المادي، وكانت الاعتداءات ممن منوط بهم الرعاية والعناية، أو بالأقل من المؤتمنين على براءة الأطفال.
وفي خضم الصخب المصاحب لتلك الأحداث والوقائع التي يشيب لهولها الولدان، غفلنا عن خطر داهم ساحق، نقدمه طوعًا واختيارًا لأطفالنا، خطر نسهل له التسلل حتى يتمكن من التغلغل، فهيا بنا نخوض عالم الخطر الطوعي.
تتسارع التكنولوجيا بلا كوابح في عالمٍنا المعاصر، ما أظهر نوع جديد من المجرمين لا يحمل سلاحًا ولا يترك أثرًا على الجسد، لكنه أقدر على تدمير الطفل من أي عنف مباشر.
إنهم الذئاب الرقمية، مجموعات وأفراد خلف الشاشات يستهدفون الأطفال بخطط مدروسة، ويستغلون ضعف الرقابة وسذاجة الصغار، فيتحول الفضاء الإلكتروني إلى ساحة صيد شرسة، لا ترى فيها إلا الضحية بعد فوات الأوان.
تنتهج تلك الذئاب الرقمية، استراتيجيات افتراس هادئة وخطر يتسلل في صمت، فهم لا يقتحمون حياة الطفل دفعة واحدة، بل يبدأون بخطوات صغيرة، ككلمة لطيفة، هدية في لعبة إلكترونية، اهتمام زائد، ثم يتوسعون شيئًا فشيئًا حتى اكتمال السيطرة على عقول الصغار.
الخطورة الحقيقية تكمن في أن عملية الاستدراج هادئة، متدرجة، وذكية، وكل شيء يحدث خلف شاشة لا يسمع منها الأهل شيئًا، وأصبحت منصات الألعاب والدردشة ومواقع التواصل، بوابات مفتوحة يتسلل منها هؤلاء بلا رادع.
فالذئاب الرقمية ترتدي عشرات الأقنعة (صديق لطيف – مراهق متعاطف – مرشد يدّعي الحكمة – شريك في لعبة جماعية – أو بالغ متنكر بشخصية طفل ….)، لكن الهدف واحد وهو تفكيك مقاومة الطفل النفسية، ثم دفعه لمشاركة صور أو معلومات، أو الانخراط في سلوكيات خطرة، وصولًا إلى الابتزاز والاستغلال.
ولا يخفى علينا أن الأطفال المستهدفين، هم ضحايا بلا صوت يصمتون خوفًا أو خجلًا، بينما آثار الجريمة لها تداعيات كثيرة، من أبرزها (انطواء مفاجئ – خوف غير مبرر – تراجع دراسي – تغيرات مزاجية حادة – اضطرابات في النوم – وفي مراحل أشد، اكتئاب أو إيذاء للنفس).
ولعلنا نتساءل عن سبل الدفاع عن أطفالنا، مما لا شك فيها أن الأسرة هي خط الدفاع الأول وملاذ الأمان، وسط هذا الطوفان الرقمي، من خلال:
المتابعة الواعية (معرفة ما يستخدمه الطفل من تطبيقات ومنصات دون تجسس يفقده الثقة).
الاحتضان والدعم (الطفل المُحاط بالاهتمام لا يبحث عن عاطفة بديلة خارج البيت).
الحوار اليومي (فحديث بسيط كل مساء يمكن أن ينقذ مستقبلًا كاملًا).
تعزيز الوعي الرقمي (تعليم الطفل عدم مشاركة أي صورة أو معلومة مع مجهول).
وضع الجهاز في مساحة مشتركة (فالعزلة الرقمية هي الثغرة الأولى التي ينفذ منها المعتدي).
وبالطبع، الأمر لا يقع على عاتق الأسرة وحدها، فالمسؤولية مشتركة مع المجتمع والدولة، من خلال عدة محاور من أهمها (سن تشريعات صارمة للجرائم الإلكترونية ضد الأطفال – إعداد برامج مدرسية للتوعية – إنشاء وحدات متخصصة للدعم النفسي – تكثيف مراقبة المنصات عالية الخطورة – شن حملات إعلامية توضح تكتيكات الذئاب الرقمية). فالأطفال اليوم هم مستقبل الدولة وعماد أمنها القومي.
أما عن الشخصيات غير السويّة التي تُقدم للأطفال بشكل فجّ، داخل كثير من أفلام الكرتون، فحدث ولا حرج، فبعض الأعمال العدوانية تظهر في ثوب بطولة محبّبة، فيجد الطفل نفسه يكرر كلمات لاذعة أو تصرفات جارحة.
وفي مشاهد أخرى يُقدم اللعب بالخطورة على أنه مغامرة ممتعة، فيقفز الطفل عن كرسي أو يحاول تقليد حركة جريئة، لأنه رأى بطله المفضل يفعلها دون أن يصيبه مكروه.
بل إن بعض المحتوى يعيد تشكيل مفاهيم الصواب والخطأ في ذهن الطفل، فيُصوِّر التمرد على القوانين كأنه دليل قوة، بينما تبدو الطاعة واحترام الأسرة سلوكًا دونيًا أو أقل جاذبية.
وما يزيد الأمر تعقيدًا تلك الرسائل النفسية المبطّنة التي تضعف صورة الأسرة عبر السخرية من الوالدين أو تحويل الأصدقاء والشخصيات الخيالية إلى أسرة بديلة يتعلق بها الطفل عاطفيًا أكثر من تعلقه ببيته، ومن هنا تأتي أهمية المتابعة الواعية، والحوار الهادئ بعد المشاهدة، وتعزيز الرابط الأسري الذي يجعل الطفل يعود إلى بيته ليبحث عن القدوة في والديه، لا في الشاشة التي أمامه.
ويبقى أقوى ما نملكه هو الجدار الداخلي الذي تبنيه القيم الدينية في نفس الطفل، فالقيم لا تُزرع بالمواعظ الثقيلة ولا بالأوامر التي تتراكم فوق كاهله، بل تنمو فيه حين يراها في سلوك والديه قبل كلماتهم، حين يشهد رحمة حقيقية، وصدقًا عمليًا، واحترامًا متبادلًا داخل البيت.
ولو توافرت تلك الجدُر، يصبح امتلاك الطفل لبوصلة داخلية أمرًا طبيعيًّا، فيعرف تلقائيًا أن السخرية التي شاهدها ليست بطولة، وأن الحركة الخطرة التي حاول بطل الكرتون تقليدها ليست شجاعة، وأن الصورة المشوهة للأهل ليست حقيقة.
إن الطفل الذي يسمع من والديه كلمات بسيطة مثل: إن الله يحب الصادقين، أجسادنا نعمة نحافظ عليها، ثم يراها مجسدة أمامه، هو طفل يصعب أن تربكه شخصية عدوانية أو رسالة ملتوية مهما كان غلافها جذّابًا.
ولأن الأطفال هم مستقبل هذا الوطن وروحه، فإن حمايتهم ليست خيارًا، بل واجب مقدس لا يقبل التردد ولا الإهمال، أطفالنا خط أحمر ومن يقترب منهم سنواجهه بعزم لا يلين.









