تحدث اللواء يحيى عبد الكريم، في مقال له، عن كرة القدم كـ لعبة كانت دائمًا مساحة جامعة وذاكرة شعبية يعيشها المصريون بفرحها وانكسارها، معتبرا أن التشفير حوّلها من حق جماهيري متاح للجميع إلى سلعة حبيسة القدرة المادية.. وإلى نص المقال:
في زمن أصبحت فيه كرة القدم متنفسًا شعبيًا وذاكرةً جمعية تتوارثها الأجيال، يُطل علينا شبح التشفير ليُهدد ما تبقى من الروح الرياضية الجامعة.
ما الذي يعنيه أن تُغلق المدرجات خلف شاشات مدفوعة، ويُقصى جمهور بأكمله عن متابعة لعبته الأثيرة؟ التشفير ليس مجرد قرار اقتصادي، بل خطوة فادحة نحو تحويل الساحرة المستديرة إلى سلعة نخبوية، تُحرم منها الطبقات الأعرض من المصريين، أولئك الذين صنعوا مجد الكرة واحتملوا إخفاقاتها، دون أن يطلبوا شيئًا سوى أن تبقى في متناول قلوبهم وأعينهم.
نستهل مقالنا بالإشارة إلى أن تشفير المباريات، يعني حجب البث التلفزيوني للمباريات على القنوات المجانية المفتوحة، وإتاحته فقط عبر منصات مدفوعة، سواء كانت قنوات فضائية مشفرة أو خدمات بث عبر الإنترنت تتطلب اشتراكًا شهريًا أو سنويًا، هو قرار يتحوّل فيه الجمهور من متفرج حر، إلى مشترك يُطلب منه أن يدفع لمجرد أن يشاهد.
ويُدار التشفير من قبل جهات تجارية وإعلامية تمتلك حقوق البث، سواء محطات فضائية خاصة أو شركات إنتاج كبرى، تتعامل مع مباريات كرة القدم بوصفها محتوى رقميًا مربحًا، يجب استثماره لأقصى درجة ممكنة، يتعامل مع المباريات كسلعة مدفوعة، وليس كحق جماهيري أصيل.
السؤال الأهم: لماذا يُطرح هذا التوجه الآن، في وقت تمر فيه الكرة المصرية بأزمات واضحة على مستوى الأداء، والجماهيرية، والبنية التحتية، والحضور في الملاعب؟ ألا يُعد ذلك قفزًا على الأولويات؟
الحقيقة أن التوقيت يثير الشكوك، خصوصًا وأن القاعدة الجماهيرية التي اعتادت الوصول المجاني إلى المباريات، لم تُهيأ نفسيًا ولا اقتصاديًا لهذا التحول، ما يهدد بفجوة كبرى بين اللعبة وجمهورها.
في مصر، لم تكن كرة القدم يومًا مجرّد رياضة أو تسلية، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية واسعة التأثير، هي لغة يومية يتحدث بها الناس في المقاهي، والمواصلات، وحتى في طوابير الخبز، هي مساحة للتنفيس، وللمنافسة، وللتعبير عن الذات والانتماء، حين تضيق باقي المساحات، وهي أقرب ما تكون إلى الهواء والماء، حقًا عامًا.
إن التوجه إلى تشفير هذه المساحة الشعبية، معناه ببساطة أن نفصل الطبقة الأعرض عن لعبتهم المفضلة، أن نجعل من كرة القدم امتيازًا طبقيًا، لا جامعًا وطنيًا، أن تتحول من لعبة “الشعب” إلى متعة النخبة، وهذا لا يُهدد فقط شعبية اللعبة، بل يُضعف قيمتها الرمزية كواحدة من آخر ما تبقّى من القواسم المشتركة بين المصريين.
إذا كانت كرة القدم في مصر هي ملكٌ شعبي بالدرجة الأولى، فإن التشفير يُعد بمثابة نزعٍ للملكية من أصحابها الحقيقيين، هذا القرار لا يمر دون تبعات، بل يترك آثارًا عميقة على البنية النفسية والاجتماعية للجمهور، وعلى علاقة الناس بلعبتهم الأثيرة، ونستخلص سويًا بعضًا من تلك الآثار والتداعيات:
أولاً – الإقصاء الطبقي (مع دخول التشفير حيز التنفيذ، سيجد ملايين من المصريين، خاصة من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، أنفسهم مُستبعدين من المشهد الكروي، فقط لأنهم لا يملكون ثمن الاشتراك في منصة أو باقة مدفوعة).
ثانيًا: تقليص القاعدة الجماهيرية (حين يُمنع الجمهور من المتابعة، فإن الحماس يتراجع، والانتماء يتآكل، والاهتمام يقل، الجمهور هو روح اللعبة، وإذا غاب، ماتت اللعبة ببطء)
ثالثًا: تصاعد مظاهر القرصنة والبث غير القانوني (غلَق الأبواب الرسمية، يفتح نوافذ غير شرعية، وقد رأينا ذلك في تجارب دول أخرى، حيث أدى التشفير إلى تفشي البث المقرصن، وانخفاض جودة المشاهدة).
رابعًا: تهديد للسلم الاجتماعي الرمزي (في بلد مثقل بالتفاوتات الاقتصادية، كانت كرة القدم من المساحات القليلة التي يتساوى فيها الجميع، تشفير المباريات يُعيد إنتاج التفاوت داخل هذه المساحة أيضًا، ويُكرّس شعورًا عامًا بالتمييز والإقصاء، وهو أمر يحمل أبعادًا تتجاوز الرياضة إلى ما هو أعمق).
ولا يجوز التعلل بأن التوجه نحو التشفير، هو مواكبة للعصرنة، لأن مصر لا تُشبه أوروبا، ولا حتى بعض الدول الخليجية التي تبنّت التشفير مبكرًا، فالبنية الاقتصادية أضعف، ومتوسط الدخل أقل، والتجربة الإعلامية لم تصل إلى المستوى الذي يجعل الجمهور يقبل الدفع مقابل المشاهدة، كما أن الأندية تعاني فنيًا، والملاعب شبه فارغة، والنقل التلفزيوني لم يرتقِ بعد إلى الجودة التي تُقنع الجمهور بأن يدفع مقابل الجودة.
ومن ثم إذا كان الدافع وراء التشفير هو البحث عن عائد اقتصادي للمنظومة الكروية، فالتشفير ليس الطريق الوحيد،
لأن هناك بدائل متعددة، أكثر عدالة وأقل ضررًا، تسمح بتحقيق التوازن بين حق الجمهور في المتابعة، وحق الأندية والمنظومة الإعلامية في تحقيق دخل مستدام، ومنها:
أولًا: تطوير الإعلانات والرعاية (يمكن تعظيم العائد من خلال تحسين جودة الإعلانات داخل المباريات، واستقطاب رعاة كبار عبر إنتاج محتوى جذاب ومهني، وهو ما تنتهجه كثير من القنوات العالمية، التي تحقق أرباحًا ضخمة من البث المجاني عبر الإعلانات الذكية والبرامج التحليلية المبتكرة.
ثانيًا: نموذج “البث المجاني + المزايا المدفوعة (وهو نموذج معتمد عالميًا، يتيح بث المباريات مجانًا، لكنه يقدم مزايا إضافية عبر الاشتراكات المدفوعة، مثل تحليلات خاصة، كاميرات متعددة الزوايا، محتوى حصري لما بعد المباراة، أو إعادة المباريات بجودة عالية. بهذا الشكل، يُترك الخيار للمشاهد دون إقصاء أحد.
ثالثًا: دعم التحول الرقمي الحقيقي (الحديث عن تشفير المباريات لا معنى له، إذا لم تُستثمر الدولة والمؤسسات الإعلامية في بنية تحتية رقمية متطورة، بديل التشفير قد يكون إطلاق منصة وطنية للبث الرقمي، بأسعار رمزية واشتراك مرن، يضمن الوصول دون احتكار، ويُراعي ظروف الجمهور الاقتصادية).
هنا، نتساءل جادين، عن دور وزارة الشباب والرياضة في حماية حقوق الجمهور الرياضي، والحفاظ على مكتسبات شعبية اللعبة في البلاد، وللأسف وكالعادة، جاء أداء الوزارة مخيّبًا للآمال، حيث غاب التنسيق الفعّال مع الجهات المالكة لحقوق البث، وافتقر الحوار مع جماهير الكرة، وأهمل وضع رؤية استراتيجية واضحة تُوازن بين الجانب الاقتصادي والاجتماعي.
ففي وقت كان يُنتظر فيه من الوزارة أن تكون الحامي الرسمي لصالح المواطن والرياضة الشعبية، تقاعست عن تقديم بدائل واضحة أو مبادرات لتوسيع القاعدة الجماهيرية، عبر قنوات مجانية أو مدعومة، ولم يُسمع من الوزارة سوى تصريحات غامضة أو متأخرة، لم تُخفف من حالة الاحتقان الجماهيري أو التذمر الواسع.
هذا القصور يؤكد الحاجة الماسة إلى مراجعة دور الوزارة، ليس فقط في ملف البث، بل في كل ما يتعلق بدعم الرياضة الشعبية، وتحقيق التوازن بين المصالح التجارية وحفظ الحقوق الجماهيرية.
إن تحويل مباريات كرة القدم إلى منتج مشفر في مجتمع مثل مصر، لا يحمل في طيّاته بعدًا اقتصاديًا فقط، بل يحمل رسالة ضمنية تقول: هذه اللعبة لم تعد لكم، وهو أمر شديد الخطورة، ليس فقط على شعبية اللعبة، بل على السلم الرياضي والاجتماعي، وشعور الناس بالانتماء.
ما زال الوقت متاحًا للتراجع، أو لإعادة التفكير في طرق أكثر عدالة واستدامة، فالأرباح قصيرة الأجل لا تُقارن بالخسارة الكبرى: فقدان جمهور صنع من كرة القدم وجدانًا وطنيًا مشتركًا، لا يجب أن يُقصى تحت أي ظرف.
تحيا مصر .. شعبًا وقيادة،،
والله من وراء القصد،،








