تحدث اللواء يحيى عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية السابق، في مقال له، عن عدم استغلال الشباب باعتبارهم القوة الأكبر عددا في المجتمع، قائلا: «يشكل الشباب المصري القوة الأكبر عدديًا في المجتمع، لكن حضورهم الفعلي في مساحات القرار والتأثير ما زال محدودًا. وبين تجنيبهم من المشاركة الحقيقية واستقطابهم من قِبَل قوى متطرفة أو شعبوية، يقف جيل كامل في مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية ضاغطة. وهنا تتجلى الحاجة الماسة إلى إعادة دمجهم كطاقة بنّاءة في قلب المشروع الوطني».
وإلى نص المقال:
في قلب المجتمع المصري، يقف الشباب في مفترق طرقٍ حاسم، تتجاذبه قوى التجنيب من جهة، وقوى الاستقطاب من جهة أخرى، في مشهد معقد يختلط فيه الأمل بالخذلان، والطموح بالإقصاء، والانتماء بالحيرة.
رغم أن الشباب يشكلون غالبية السكان، إلا أن تمثيلهم الحقيقي في مراكز التأثير والقرار، لا يعكس هذه الأغلبية، بينما يتم استدعاؤهم غالبًا في الخطاب السياسي كقوة للمستقبل، إلا أن أرض الواقع، تشهد تجنيب كثيرًا منهم عن مساحات الفعل الجاد، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي.
وتُدار شؤونهم من أعلى دون إشراك حقيقي في صنع القرار، وتُفرض عليهم أنماط من المشاركة الشكلية تُفرغ طاقاتهم، دون أن تمنحهم مساحات حقيقية للتغيير أو التأثير.
ويزداد التجنيب وطأة حين يواجه الشاب واقعًا اقتصاديًا ضاغطًا، وفرص عمل محدودة، وتعليمًا لا يرتبط باحتياجات السوق، ما يدفع كثيرين إلى الهجرة، أو الانطواء، أو البحث عن خلاص فردي بعيدًا عن الانتماء الجماعي.
وهنا تقرع أجراس الخطر، نعم خطر الاستقطاب، إذ في ظل هذا التجنيب، تنشط قوى الاستقطاب، مستغلة الفراغ الذي يتركه الغياب المؤسسي، فتمتد شبكات الأيديولوجيات المتطرفة، أو الخطابات الشعبوية، أو دعاوى الخلاص الديني والسياسي، لاستقطاب الشباب الباحث عن المعنى والانتماء.
والحقيقة لا تُشكّل التنظيمات المتطرفة وحدها تهديدًا، بل أيضًا الاستقطاب الثقافي المفرط، الذي يُروّج إما لصورة سلبية قاتمة من اللا جدوى والانفصال، أو لصورة زائفة من التجميل السطحي والانصهار.
والنتيجة المفزعة، أن الشباب المصري يعيش ثنائية خطيرة بين مطرقة التجنيب وسندان الاستقطاب، فمن جهة يُقصى من المشاركة الحقيقية، ومن جهة أخرى، يُستهدف بخطابات متطرفة تحاول توجيه وعيه وولائه، وفي هذا المشهد، يغيب المشروع الوطني الجامع القادر على احتضان طاقات الشباب وتوجيهها نحو البناء والإصلاح.
ويرى الكاتب، أن تلك الثنائية تولد تداعيات شديدة التعقيد، اقتصادية، سياسية، مجتمعية، وانتمائية، وكل منها مترابط، ويؤثر في الآخر على النحو الآتي:
أولًا – التداعيات الاقتصادية: وتتمثل في (إهدار الطاقات البشرية، لأن عدم دمج الشباب في سوق العمل، أو تهيئتهم بمهارات حقيقية يؤدي إلى بطالة مرتفعة، وهجرة العقول، وبالتالي خسارة اقتصادية فادحة – نمو الاقتصاد غير الرسمي، إذ يتجه كثير من الشباب للعمل في الاقتصاد غير المنظم، ما يُضعف من العوائد الضريبية ويزيد من هشاشة الاقتصاد – تراجع الإنتاجية والابتكار، بالقضاء على الدافع والمبادرة، فيتراجع الإبداع وريادة الأعمال).
ثانيًا – التداعيات السياسية: متجسدة في (انكماش المشاركة السياسية، بالعزوف عن السياسة أو الانخراط المشوهً فيها – قابلية الاستقطاب السياسي، ما يجعل الشباب المهمش أكثر عرضة للتأثر بالخطابات الراديكالية أو الشعبوية، سواء من جماعات متطرفة أو تيارات خارجية، تآكل شرعية المؤسسات، نتيجة قلة ثقة الشباب في المؤسسات).
ثالثًا – التداعيات المجتمعية: وتتضح في (اتساع فجوة الثقة بين الأجيال، نتيجة لغياب الحوار الحقيقي بين النخبة الحاكمة والشباب، يُولّد شعورًا بالعزلة – تزايد السلوكيات السلبية، إذ في ظل التهميش تزداد نسب الإدمان، العنف، الجريمة، والانتحار بين الشباب، كمؤشرات على فقدان المعنى والانتماء).
إن استمرار هذه التداعيات – التي عرضنا بعض من آثارها – دون تدخل جذري، يُنذر بأزمة وطنية ممتدة الأثر، فإنقاذ جيل بأكمله من التيه بين التجنيب والاستقطاب ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية لأي أمة تريد البقاء والنهوض، فالشباب ليسوا عبئًا يحتاج إلى احتواء، بل قوة تغيير تحتاج إلى اعتراف، واستثمار، وشراكة حقيقية.
ولا فكاك وخلاص لتجاوز هذه الثنائية، إلا من خلال إرادة سياسية ومجتمعية صادقة، تُعيد الاعتبار للشباب لا بوصفهم ملفًا أو مشكلة، بل باعتبارهم شركاء في صياغة المستقبل، انطلاقًا من إصلاح التعليم، وفتح المجال العام، ودعم المبادرات الشبابية الحقيقية، وتوسيع المشاركة السياسية والاقتصادية، وتوفير قنوات آمنة للتعبير، مع إعادة بناء الثقة بين الدولة والشباب، على أسس من الاحترام المتبادل والشفافية.
لا ريب أن مواجهة هذه الحالة المتأزّمة تتطلب تكاملاً فعليًا في الأدوار، وتحمّلًا جماعيًا للمسؤولية من مختلف الجهات، من الأسرة، إلى المؤسسات التعليمية، مرورًا بالإعلام، ووصولًا إلى صُنّاع السياسات.
غير أن المسؤولية الكبرى، بما تفرضه من التزام مباشر، تقع على عاتق وزارة الشباب والرياضة، الجهة المعنية أولًا وأخيرًا بصياغة رؤية واضحة لتمكين الشباب، وفتح الآفاق أمام طاقاتهم، وحمايتهم من الوقوع في براثن التهميش أو التطرّف.
لكن المؤسف أن الوزارة بسياستها الحالية وواضعيها، لا تزال تترنّح في دوائر الأداء التقليدي، مكتفية بمظاهر شكلية لا ترتقي إلى حجم التحدي ولا إلى عمق الأزمة.
ويظل المسئول عنوانًا بارزًا لهذا القصور، بتصريحاتٍ فضفاضة ومشاريع لا تمسّ جوهر الاحتياج الشبابي الحقيقي، ولا تبني جسرًا بين الشباب وطموحاتهم، التي من اليقيني بعيدة كل البعد عن الاشتراك في بطولات للطاولة والدومينو، على المقاهي وشبيهاتها، وظهور الوزير في غير مرة، وهو يلعب الطاولة مع نظير له في مدينة العلمين، كان ذا أثر سلبي على غير المراد من ذلك الظهور.
إن الانحراف عن الهدف المنشود هنا لا يُعدّ مجرد تقصير إداري، بل إخلالٌ جسيم بأمانة وُضعت في عنق من اختيروا لحمل همّ الشباب، فإذا بهم ينشغلون عنهم، في لحظة وطنية كان أولى بهم أن يكونوا فيها في طليعة المواجهة، لا في مؤخرة الغياب.
صرخة في وجه الصمت المُريب، نطلقها من عمق الألم والغربة التي يعيشها شبابنا، لا تتركوهم بين مطرقة التجنيب وسندان الاستقطاب، يُسحَقون بصمت في زوايا الإقصاء والتهميش، بينما الجهات المعنية وأخصها، وزارة الشباب والرياضة تلوذ بصمتٍ يُشبه الغياب، أو حضورًا بلا أثر.
إن هذا الفراغ المدوي في الرؤية والرعاية، يفتح الأبواب مشرعة أمام التيارات المتربصة، فتتلقفهم وتُعيد تشكيلهم خارج حدود الوطن ومعاني الانتماء.
فويلٌ لأمةٍ تغفل عن شبابها، وتتركهم فريسةً للضياع، ثم تتساءل: من أين جاء الخراب؟!
تحيا مصر .. شعبًا وقيادة،،
والله من وراء القصد،،








